فتأمل كيف دلّ اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها ، فيما اجتمعت فيه ، وافتراقها فيما افترقت ، على إله واحد ورب واحد ، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله ، فالموجودات بأسرها كعسكر واحد ، له ملك واحد وسلطان واحد ، يحفظ بعضه ببعض ، وينظم مصالح بعضه ببعض ، ويسد خلل بعضه ببعض ، فيمد هذا بهذا ، ويقوى هذا بهذا ، وينفض من هذا ، فيزيده في الآخر. يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، ويخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي. ويبيد هذا ، فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه ، ويسد مسده ، فيشهد حدوث الثاني. إن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره ، وإنّ حكمته لم تتغير ، وعلمه لم ينقص ، وقدرته لم تضعف ، وإنه لا يتغير بتغيير ما يغير منها ، ولا يضمحل باضمحلاله ، ولا يتلاشى بتلاشيه ، بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم. هذا إلى ما في لوازم مكبرها ، وانتظام بعضها ببعض ، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حكم وأفعال أخرى وغايات أخر ، حكمها حكم موادها وحواملها ، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.
مثال ذلك : في أحدوثة واحدة : إنك ترى المعدة تشاق الغذاء ، وتجتذبه إليها ، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله ، ولوازمه بعد تناوله ، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا ، فإذا جذبته إليها ، أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها ، فتنضجه الإنضاج الذي تعدّه ، لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به ، وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه ، فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به ، فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه ، على قدر حاجته ، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به ، ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، يدبره بحكمته ولطفه ، وساقه في المجاري التي لا ينفذ فيها الإبر ، لدقة مسالكها ، حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه ،
