البحث الخامس
في كيفية إعجاز القرآن
لما اعتنى المسلمون بنقل القرآن من ساير المعجزات وجب البحث عن كيفية إعجازه ، وقد اختلف الناس في ذلك ، فقال قوم : كون القرآن معجزا إنما هو لكونه منعا من المعتاد ، قالوا : ووجه الإعجاز فيه أن العرب توفرت دواعيهم على المعارضة مع شدت فصاحتهم وسكتوا عن المعارضة المعتادة ، وهذا دليل على إعجازه.
وهذا قول النظام والسيد المرتضى من أصحابنا وبعض المعتزلة ، وهو قول بالصرفة (١).
وقال آخرون : إنه معجز لأن الإتيان بمثل كل سورة منه غير معتاد.
واختلف هؤلاء ، فقال بعضهم : إن إعجازه من حيث الأسلوب وجعل
__________________
(١) الصرفة مصدر من صرف يصرف صرفا اي منع ، والمراد هنا صرف الله تعالى همم الناس عن معارضة القرآن مع تمكنهم من ذلك ، ولهم في هذا ثلاثة مذاهب كما سيجيء في كلام المصنف.
وقال بالصرفة جمع من المتكلمين ، فمن المعتزلة : النظام كما جاء في اكثر الكتب الكلامية ، والجاحظ على ما في كتابه : الحيوان ج ٤ ص ٨٩. ومن الشيعة : الشيخ المفيد في اوائل المقالات ص ٣٢ ، والسيد المرتضى في الذخيرة ص ٣٧٨ وشرح جمل العلم ص ١٧٩ ، وقد صنف في ذلك كتابا سماه بالصرفة او الموضح عن وجه اعجاز القرآن ولم يصل إلينا ، والشيخ الطوسي في احد قوليه كما جاء في : تمهيد الاصول ص ٣٣٤ ، وابو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف ص ١٠٧ ، وابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة ص ٨٩ ، وسديد الدين الحمصي في المنقذ من التقليد ص ٤٦٠.
ولنا رسالة في القول بالصرفة في وجه اعجاز القرآن تحت عنوان (الشيخ المفيد والقول بالصرفة) ، وقد نشرها المؤتمر العالمي لذكرى الشيخ المفيد باللغة العربية والفارسية.
