البحث الرابع
في أن الله تعالى قادر(١)
والمعني بالقادر من يصح منه الفعل والترك.
ومشايخ المعتزلة على أنه من كان على حالة يصح عليها الفعل والترك بالنسبة إليه ، والدليل على ذلك أنه لو كان موجبا لكان إما مطلقا او يتوقف على شرط ، والأول باطل والّا لزم القدم ، والثاني باطل لأن ذلك الشرط ان كان قديما لزم القدم وان كان حادثا لزم التسلسل واللازمان باطلان فالقول بالموجب باطل.
والأوائل عندهم أنه ليس بقادر بهذا المعنى (٢) وان كان قادرا بمعنى أنه اذا شاء ان يفعل فعل واذا شاء ان يترك ترك ، وهذا لا ينافي وجوب الفعل لعدم المنافاة بين القضية الشرطية والحملية لفقدان شرط التناقض وهو الاتحاد في الشرط.
واعترض على ما ذكرناه بوجوه :
أحدها : أن العالم إن كان صحيح الوجود في الأزل لم يلزم محذور ، وإن كان محالا لم يلزم من حدوثه ثبوت القدرة لجواز كون العلة موجبة وهي غير مؤثرة في الأزل لتوقفها على القبول.
وثانيها : جاز أن يكون واجب الوجود لذاته أوجب موجودا قادرا أثّر في العالم.
__________________
(١) قال القاضي عبد الجبار : ان اوّل ما يعرف استدلالا من صفات القديم جل وعز هو كونه قادرا وما عداه من الصفات يترتب عليه (شرح الاصول الخمسة ص ١٥١).
(٢) القول بكونه تعالى قادرا وفاعلا موجبا هو قول الفلاسفة ، قال الرازي : والله تعالى يصدق عليه انه لو شاء ان لا يفعل فانه لا يفعل وان كان يكذب عليه انه شاء ان لا يفعل فما فعل ، لما قد بينا ان مشيته تعالى للفعل عن لوازم ذاته. (المباحث المشرقية ج ٢ ص ٤٩٣).
