وكان المقتفي يقرأ عليه شيئا من الكتب ، وكان غزير العقل ، متواضعا في ملبسه ورياسته ، طويل الصّمت ، لا يقول الشّيء إلّا بعد التّحقيق والفكر الطّويل. وكثيرا ما كان يقول : لا أدري.
وكان من أهل السّنّة. سمعت منه كثيرا من الحديث وغريب الحديث. وقرأت عليه كتابه «المعرّب» وغيره من التّصانيف (١).
وقال ابن خلّكان (٢) : صنّف التّصانيف المفيدة ، وانتشرت عنه ، مثل «شرح كتاب أدب الكاتب» (٣) ، وكتاب «المعرّب» (٤) ، وتتمّة «درّة الغوّاص» (٥) الّتي للحريريّ (٦). وخطّه مرغوب فيه.
وكان يصلّي بالمقتفي بالله ، فدخل عليه ، وهو أوّل ما دخل ، فما زاد على أن قال : السّلام على أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى.
فقال ابن التّلميذ النّصرانيّ ، وكان قائما وله إدلال الخدمة والطّبّ : ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ. فلم يلتفت إليه ابن الجواليقيّ ، وقال :يا أمير المؤمنين ، سلامي هو ما جاءت به السّنّة النّبويّة. وروى الحديث ثمّ قال :يا أمير المؤمنين ، لو حلف الحالف أنّ نصرانيّا أو يهوديّا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفّارة ، لأنّ الله ختم على قلوبهم ، ولن يفكّ ختم الله إلّا الإيمان. فقال : صدقت ، وأحسنت.
وكأنّما ألجم ابن التلميذ بحجر ، مع فضله وغزارة أدبه (٧).
__________________
(١) زاد ابن الجوزي : «وقطعة من اللغة».
(٢) في وفيات الأعيان ٥ / ٣٤٢.
(٣) طبع في مصر بمكتبة القدسي سنة ١٣٥٠ ه. وقدّم له أديب العربية الطرابلسي الأصل «مصطفى صادق الرافعي».
(٤) طبع بتحقيق وشرح الأستاذ أحمد شاكر ، وأصدرته دار الكتب المصرية سنة ١٩٦٩ ه.
(٥) واسمه : «التكملة في لحن العامّة». وطبع بتحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي بمطبعة ابن زيدون بدمشق سنة ١٣٥٥ ه. ونشره المجمع العلمي العربيّ بدمشق.
(٦) في الأصل : «للجريري» بالجيم.
(٧) وفيات الأعيان ٥ / ٣٤٢ ، ٣٤٣ وحكى ولده أبو محمد إسماعيل ، وكان أنجب أولاده ، كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر ، والناس يقرءون عليه ، فوقف عليه شاب وقال : يا سيدي ، قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما ، وأريد أن تسمعهما مني
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٦ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3581_tarikh-alislam-36%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
