ومصنّفها فيلسوف قد خاض في علم الشّرع والنّقل ، فخرج ما بين العلمين ، وذكر الفلسفة ، وحسّنها في قلوب أهل الشّرع بآيات يتلو عندها ، وأحاديث يذكرها.
ثمّ كان في هذا الزّمان المتأخّر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ، ملأ الدّنيا تواليف في علوم الفلسفة ، وهو فيها إمام كبير ، وقد أدّاه (١) قوّته في الفلسفة إلى أن حاول ردّ أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطّف جهده حتّى تمّ له ما لم يتمّ لغيره. وقد رأيت جملا من دواوينه ، ووجدت هذا الغزّاليّ يعوّل عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة (٢).
إلى أن قال : وأمّا مذاهب الصّوفيّة ، فلست أدري على من عوّل فيها (٣) ، ولكنّي رأيت فيما علّق عنه بعض أصحابه ، أنّه ذكر كتب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيّان التّوحيديّ ، وعندي أنّه عليه عوّل في مذاهب الصّوفيّة. وقد أعلمت أنّ أبا حيّان ألّف ديوانا عظيما في هذا الفنّ ، ولم ينقل إلينا شيء منه.
ثمّ ذكر المازريّ توهّنه أكثر ما في «الإحياء» من الأحاديث. وقال : عادة المتورّعين أن لا يقولوا : قال مالك ، قال الشّافعيّ. فيما لم يثبت عندهم. وفي كتابه مذاهب وآراء في العمليّات هي خارجة عن مذاهب الأئمّة. واستحسانات عليها طلاوة ، لا تستأهل أن يفتى بها. وإذا تأمّلت الكتاب وجدت فيه من الأحاديث والفتوى ما قلته ، فيستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له ، مثل قصّ الأظفار أن تبدأ بالسّبّابة ، لأنّ لها الفضل على بقيّة الأصابع ، لأنّها
__________________
(١) كذا في الأصل وطبقات ابن الصلاح ١ / ٢٥٧ ، وفي (السير ١٩ / ٣٤١) : «أدّته».
(٢) في طبقات ابن الصلاح زيادة : «حتى أنه في بعض الأحايين ينقل نصّ كلامه من غير تغيير ، وأحيانا يغيّره بنقله إلى الشرعيّات أكثر من نقل ابن سينا ، لكونه أعلم بأسرار الشرع منه ، فعلى ابن سينا ومؤلّف «رسائل إخوان الصفا» عوّل الغزالي في علم الفلسفة».
(٣) قال السبكي : «لم يكن عمدته في «الإحياء» بعد معارفه وعلومه وتحقيقاته التي جمع بها شمل الكتاب ونظم بها محاسنه إلّا على كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكّي ، وكتاب الرسالة للأستاذ أبي القاسم القشيري المجمع على جلالتهما ، وجلالة مصنّفيهما. وأما ابن سينا فالغزالي يكفّره ، فكيف يقال : إنه يقتدي به؟». (طبقات الشافعية الكبرى ٦ / ٢٤٧).
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3580_tarikh-alislam-35%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
