ثم الوحي من عند الله العزيز يمد حركاته الفكرية والقولية والعملية بالحق في الأفكار والصدق في الأقوال ، والخير في الأفعال. فبطرف يماثل البشر ، وهو طرف الصورة ، وبطرف يوحى إليه ؛ وهو طرف المعنى والحقيقة (قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (١) فبطرف يشابه نوع الإنسان ، وبطرف يماثل نوع الملائكة ، وبمجموعهما يفضل النوعين حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع مزاجا واستعدادا ، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر قبولا وأداء ، فلا يضل ولا يغوى بطرف البشرية ، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية. فيقرر أن أمر الباري تعالى واحد لا كثرة فيه ، ولا انقسام له (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) (٢) غير أنه يلبس تارة عبارة العربية ، وتارة عبارة العبرية ، والمصدر يكون واحدا ، والمظهر متعددا.
* * *
والوحي إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة. فيلقى الروح الأمر إليه دفعة واحدة بلا زمان (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (٣) فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقى ، كما يتمثل في المرآة المجلوة صورة المقابل فيعبر عنه إما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور ، وذلك هو (آياتُ الْكِتابِ) (٤) أو بعبارة نفسه وذلك هو أخبار النبوة ، وهذا كله بطرفه الروحاني.
وقد يتمثل الملك الروحاني له بمثال صورة البشر تمثل المعنى الواحد بالعبارات المختلفة ، أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة ، أو الظلال المتكثرة للشخص الواحد ، فيكالمه مكالمة حسية. ويشاهده مشاهدة عينية ؛ ويكون ذلك بطرفه الجسماني. وإن انقطع الوحي عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة حتى يقوّمه في أفكاره ، ويسدده في أقواله ، ويوفقه في أفعاله.
__________________
(١) سورة الإسراء : الآية ٩٤.
(٢) سورة القمر : الآية ٥٠.
(٣) سورة القمر : الآية ٥٠ : وتلاوتها : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)
(٤) سورة يونس : الآية ١.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
