مادة وصورة. والمادة أمر بالقوة ، فهو إذن جوهر مجرد من المادة وهو العقل الفعال. وإنما سمي فعالا بإزاء كون العقول الهيولانية منفعلة. وقد سبق إثباته في الإلهيات من وجه آخر. وليس يختص فعله بالعقول والنفوس بل وكل صورة تحدث في العالم فإنما هي من فيضه العام ، فيعطي كل قابل ما استعد له من الصور. واعلم أن الجسم وقوة في جسم لا يوجد شيئا ، فإن الجسم مركب من مادة وصورة ، والمادة طبيعتها عدمية. فلو أثر الجسم لأثر بمشاركة المادة وهي عدم ، والعدم لا يؤثر في الوجود. فالعقل الفعال هو المجرد عن المادة وعن كل قوة ، فهو بالفعل من كل وجه.
وأما الثاني : من الأحوال الخاصة بالنفس ، فالنوم والرؤيا والنوم غئور القوى الظاهرة في أعماق البدن وانحباس الأرواح من الظاهر إلى الباطن. ونعني بالأرواح (١) هاهنا أجساما لطيفة مركبة من بخار الأخلاط التي منبعها القلب ، وهي مراكب القوى النفسانية والحيوانية ، ولهذا إذا وقعت سدة في مجاريها من الأعصاب المؤدية للحس بطل الحس وحصل الصرع والسكتة. فإذا ركدت الحواس ورقدت بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس ، لأنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورد الحواس عليها. فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفع عنها المانع ، واستعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية التي فيها نقشت الموجودات كلها ، فانطبع في النفس ما في تلك الجواهر من صور الأشياء لا سيما ما يناسب أغراض الرائي ، ويكون انطباع تلك الصور في النفس كانطباع صورة في مرآة من مرآة. فإن كانت الصور جزئية ووقعت من النفس في المصورة وحفظتها الحافظة على وجهها من غير تصرف المتخيلة صدقت الرؤيا ، ولا تحتاج إلى تعبير ، وإن وقعت في
__________________
(١) والروح إنسانية وقدسية. فالروح الإنسانية هي التي تتمكن من تصور المعنى بحده وحقيقته. والروح القدسية لا تشغلها جهة ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن ، ويتعدى تأثيرها إلى بدنها بلا أجسام العالم وما فيه ، وتقبل المعقولات من الروح الملكية بلا تعليم من الناس. (رسائل الحكمة والطبيعيات ص ٤٥).
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
