ذلك أيضا أن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد فله قوة أن يبقى أيضا ؛ ، لأن بقاءه ليس بواجب ضروري ، وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا. والإمكان هو طبيعة القوة. فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى وفعل أن يبقى ؛ فيكون فعل أن يبقى منه أمرا يعرض للشيء الذي له قوة أن يبقى ، فذلك الشيء الذي له القوة على البقاء وفعل البقاء أمر مشترك البقاء له كالصورة ، وقوة البقاء له كالمادة ، فيكون مركبا من مادة وصورة ، وقد فرضناه واحدا فردا ، هذا خلف. فقد بان أن كل أمر بسيط فغير مركب فيه قوة أن يبقى وفعل أن يبقى بل ليس فيه قوة أن يعدم باعتبار ذاته. والفساد لا يتطرق إلا إلى المركبات. وإذا تقرر أن البدن إذا تهيأ واستعد استحق من واهب الصور نفسا تدبره ، ولا يختص هذا ببدن دون بدن ، بل كل بدن حكمه كذلك. فإذا استحق النفس وقارنته في الوجود فلا يجوز أن تتعلق به نفس أخرى ، لأنه يؤدي إلى أن يكون لبدن واحد نفسان وهو محال ، فالتناسخ إذن بطل.
المقالة السادسة :
في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل ، وأحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة والكاذبة ، وإدراكها علم الغيب ، ومشاهدتها صورا لا وجود لها من خارج تلك الوجوه ، ومعنى النبوة والمعجزات وخصائصها التي تتميز بها عن المخاريق.
أما الأول : فقد بينا أن النفس الإنسانية لها قوة هيولانية (١) ، أي استعداد لقبول المعقولات بالفعل ، وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل ، وذلك السبب يجب أن يكون موجودا بالفعل ، فإنه لو كان موجودا بالقوة لاحتاج إلى مخرج آخر. فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى مخرج هو موجود بالفعل لا قوة فيه ، فلا يجوز أن يكون ذلك جسما لأن الجسم مركب من
__________________
(١) إن في الإنسان قوة تباين به سائر الحيوان وغيره ، وهي المسماة بالنفس الناطقة ، أو النفس الإنسانية ، وهي موجودة في جميع الناس على الإطلاق.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
