تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني غير المحسوسة في المحسوسات. ونسبة الحافظة إلى الوهمية كنسبة الخيال إلى الحس المشترك ، إلا أن ذلك في المعاني وهذا في الصورة فهذه خمس قوى الحيوانية (١).
وأما النفس الناطقة للإنسان فتنقسم قواها أيضا إلى قوة عالمة ، وقوة عاملة. وكل واحد من القوتين يسمى عقلا باشتراك الاسم. فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء تخصها إصلاحية. ولا اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية. واعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة ، واعتبار بالقياس إلى نفسها. وقياسها إلى النزوعية أن تحدث عنها فيها هيئات تخص الإنسان تتهيأ بها لسرعة فعل وانفعال ، مثل الخجل ، والحياء ، والضحك ، والبكاء. وقياسها إلى المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة. واستنباط الصناعات الإنسانية. وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة المشهورة ، مثل : إن الكذب قبيح ، والصدق حسن. وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة العاقلة حتى لا تنفعل عنه البتة بل ينفعل عنها ، فلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور الطبيعية ، وهي التي تسمى أخلاقا رذيلة ، بل تحدث في القوى البدنية هيئات انقيادية لها ، وتكون متسلطة عليها (٢).
وأما القوة العالمة النظرية. فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، فإن كانت مجردة بذاتها فذاك. وإن لم تكن فإنها تصيرها
__________________
(١) ومن الحيوان ما يكون له الحواس الخمس كلها ، ومنه ما له بعضها دون بعض. أما الذوق واللمس فضروري ان يخلق في كل حيوان ، ولكن من الحيوان ما لا يشم ، ومنه ما لا يسمع ، ومنه ما لا يبصر.
(٢) فيكون لها أخلاق فضيلية ، ويجوز أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية ، ولكن إن كانت هي الغالبة تكون لها هيئة فعلية ولهذه هيئة انفعالية فيكون شيء واحد يحدث منه خلق في هذا وخلق في ذلك ، وإن كانت هي المغلوبة يكون لها هيئة انفعالية ولهذه هيئة فعلية غير غريبة ، أو يكون الخلق واحدا وله نسبتان.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
