من المحسوس من غير أن يدركه الحس أولا ، مثل إدراك الشاة المعنى المضادّ في الذئب الموجب لخوفها إياه وهربها عنه (١). ومن المدركات الباطنة ما يدرك ويفعل ، ومنها ما يدرك ولا يفعل. والفرق بين القسمين : أن الفعل فيها هو أن تركت الصور والمعاني المدركة بعضها مع بعض ، وتفصل بعضها عن بعض ، فيكون إدراك وفعل أيضا فيما أدرك ، والإدراك لا مع الفعل هو أن تكون الصورة أو المعنى ترتسم في القوة فقط من غير أن يكون لها فعل وتصرّف فيه. ومن المدركات الباطنة ما يدرك أولا ، ومنها ما يدرك ثانيا. والفرق بين القسمين : أن الإدراك الأول هو أن يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع للشيء من نفسه ، والإدراك الثاني هو أن يكون حصولها من جهة شيء آخر أدى إليها.
ثم من القوى الباطنة المدركة الحيوانية قوة «بنطاسيا» وهو الحس المشترك ، وهي قوة مرتبة في التجويف الأول من مقدم الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمس متأدية إليه. ثم الخيال والمصورة ، وهي قوة مرتبة في آخر التجويف المقدم من الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس. ويبقى فيها بعد غيبة المحسوسات (٢) والقوة التي تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية ، وتسمى مفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية ، فهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض ، وتفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار. ثم القوة الوهمية ، وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية ، كالقوة الحاكمة بأن الذئب مهروب عنه ، وأن الولد معطوف عليه. ثم القوة الحافظة الذاكرة ، وهي قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ
__________________
(١) فالذي يدرك من الذئب أولا بالحس ، ثم القوى الباطنة هو الصورة ، والذي تدركه القوى الباطنة دون الحس فهو المعنى.
(٢) والقوة التي بها القبول غير القوة التي بها الحفظ.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
