وجهين : إما أن يكون جزءا ليس يجب عن حصوله بالفعل أن يكون ما هو معلول له موجودا بالفعل ، وهذا هو العنصر ، ومثاله الخشب للسرير ، فإنك تتوهم الخشب موجودا ولا يلزم من وجوده وحده أن يحصل السرير بالفعل ، بل المعلول موجود فيه بالقوة. وإما أن يكون جزءا يجب عن حصوله بالفعل وجود المعلول له بالفعل ، وهذا هو الصورة ، ومثاله الشكل والتأليف للسرير. وإن لم يكن كالجزء لما هو معلول له ؛ فإما أن يكون مباينا أو ملاقيا لذات المعلول ؛ والملاقي ؛ فإما أن ينعت به المعلول ، وإما أن ينعت بالمعلول ، وهذان هما في حكم الصورة والهيولى (١). وإن كان مباينا : فإما أن يكون الذي منه الوجود وليس الوجود لأجله وهو الفاعل. وإما أن لا يكون منه الوجود بل لأجله الوجود وهو الغاية. والغاية تتأخر في حصول الموجود عن المعلول وتتقدم سائر العلل في السببية. وفرق بين السببية والوجود في الأعيان ، فإن المعنى له وجود في الأعيان ، ووجود في النفس ، وأمر مشترك ، وذلك الأمر المشترك هو السببية ، والغاية بما هي سبب فإنها تتقدم سائر العلل ، وهي علة العلل في أنها علل ، وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر ، وإذا لم تكن العلة الفاعلية هي بعينها الغاية كان الفاعل متأخرا في السببية عن الغاية (٢). ويشبه أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية (٣) ، وإن كانت العلة الفاعلية هي الغاية بعينها استغنى عن تحريك الغاية ، فكان نفس ما هو فاعل نفس ما هو محرك من غير توسط.
وأما سائر العلل ، فإن الفاعل والقابل قد يتقدمان المعلول بالزمان ، وأما الصورة فلا تتقدم بالزمان البتة بل بالرتبة والشرف ، لأن القابل أبدا مستفيد ، والفاعل
__________________
(١) فإن كان ملاقيا ، ونعت المعلول به ، فهو كالصورة للهيولى ، وإن نعت بالمعلول فهو كالموضوع للعرض.
(٢) وذلك لأن سائر العلل ، إنما تصير عللا بالفعل لأجل الغاية ، وليست هي لأجل شيء آخر ، وهي توجد أولا نوعا من الوجود فتصير عللا عللا بالفعل.
(٣) فإن الطبيب يفعل لأجل البرء ، وصورة البرء هي الصناعة الطبية التي في النفس ، وهي المحركة لإرادته إلى العمل.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
