للصورة. وإنها إنما تقوم بالفعل بالصورة. ولا يجوز أن يقال : إن الصورة بنفسها موجودة بالقوة ، وإنما تصير بالفعل بالمادة. لأن جوهر الصورة هو الفعل ، وما بالقوة محله المادة. والصورة وإن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى ، بل بالعلة المفيدة إياها للهيولى. وكيف يتصور أن تقوم الصورة بالهيولى وقد أثبت أنها علتها والعلة لا تتقوم بالمعلول. وفرق بين الذي يتقوم به الشيء وبين الذي لا يفارقه. فإن المعلول لا يفارق العلة وليس علة لها ، فما يقوم الصورة أمر مباين لها مفيد الوجود ، وما يقوم الهيولى أمر ملاق لها وهو الصورة. وأول الموجودات (١) في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم الذي يعطي صورة الجسم ، وصورة كل موجود ، ثم الصورة ، ثم الجسم ، ثم الهيولى ، وهي وإن كانت سببا للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود ، بل سبب يقبل الوجود ، فإنه محل لنيل الوجود. وللجسم وجودها ، وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها. ثم العرض أولى بالوجود. فإن أولى الأشياء بالوجود هو الجوهر ، ثم الأعراض ، وفي الأعراض ترتيب في الوجود أيضا.
المسألة الثالثة : في أقسام العلل ، وأحوالها ، وفي القوة والفعل ، وفي إثبات الكيفيات في الكمية ، وأن الكيفيات أعراض لا جواهر.
قد بينا في المنطق أن العلل أربع. وتحقيق وجودها هاهنا أن نقول : المبدأ والعلة يقال لكل ما يكون قد استتم له وجوده في نفسه ، ثم حصل منه وجود شيء آخر يتقوم به. ثم لا يخلو ذلك : إما أن يكون كالجزء لما هو معلول له ، وهذا على
__________________
(١) أخذ ابن سينا في ترتيب الموجودات ، فأولى الأشياء بالوجود هي الجواهر ثم الأعراض ، والجواهر التي ليست بأجسام أولى الجواهر بالوجود إلا الهيولى ، لأن هذه الجواهر ثلاث : هيولى وصورة ومفارق لا جسم ولا جزء جسم، ولا بد من وجوده ، لأن الجسم وأجزاءه معلولة وينتهي إلى جوهر هو علة غير مقارنة بل مفارقة البتة. فأول الموجودات في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم ، ثم الصورة ، ثم الجسم ، ثم الهيولى ، وهي وإن كانت سببا للجسم فإنها ليست بسبب يعطي الوجود ، بل هي محل لنيل الوجود وللجسم وجودها وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها ثم العرض وفي كل طبقة من هذه الطبقات جملة موجودات تتفاوت في الوجود.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
