إليه الكثرة بوجه لم يتطرق إليه التقسيم ، بل توجه إلى الممكن بذاته فانقسم إلى جوهر وعرض. وقد عرفناهما برسميهما ، وأما نسبة أحدهما إلى الآخر فهو أن الجوهر محل مستغن في قوامه عن الحال فيه ، والعرض حال فيه غير مستغن في قوامه عنه. فكل ذات لم تكن في موضوع ولا قوامها به فهو جوهر ، وكل ذات قوامها في موضوع فهو عرض. وقد يكون الشيء في المحل ويكون مع ذلك جوهرا لا في موضوع إذا كان المحل القريب الذي هو فيه متقوما به وليس متقوما بذاته ثم مقوما له ونسميه صورة ، وهذا هو الفرق بينهما وبين العرض. وكل جوهر ليس في موضوع فلا يخلو : إما أن يكون في محل أصلا ، أو يكون في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل. فإن كان في محل بهذه الصفة ، فإنا نسميه صورة مادية. وإن لم يكن في محل أصلا فإما أن يكون محلا بنفسه لا تركيب فيه ، أو لا يكون. فإن كان محلا بنفسه لا تركيب فيه فإنا نسميه الهيولي المطلقة. وإن لم يكن فإما أن يكون مركبا مثل أجسامنا المركبة من مادة وصورة جسمية ، وإما أن لا يكون (١) وما ليس بمركب فلا يخلو : إما أن يكون له تعلق ما بالأجسام ، أو لم يكن له تعلق. فما له تعلق نسميه نفسا. وما ليس له تعلق فنسميه عقلا وأما أقسام العرض فقد ذكرناها ، وحصرها بالقسمة الضرورية متعذر.
المسألة الثانية : في تحقيق الجوهر الجسماني وما يتركب منه ، وأن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة ، وأن الصورة متقدمة على المادة في مرتبة الوجود.
اعلم أن الجسم الموجود ليس جسما بأن فيه أبعادا ثلاثة بالفعل ، فإنه ليس يجب أن يكون في كل جسم نقط أو خطوط بالفعل ، وأنت تعلم أن الكرة لا قطع
__________________
(١) أي أن لا يكون مركبا ، ونسميه صورة مفارقة كالعقل والنفس ، وأما إذا كان الشيء في محل هو موضوع نسميه عرضا ومادة الصورة الجسمية لا تخلو عن الصورة الجسمية ، ولو كانت خلوا عن الأقطار لكانت حينئذ غيركم البتة ، وكانت غير متجزئة الذات متأبية عليه ، أي ولم يكن في قوته أن يتجزأ ذاته حتى يكون جوهرا مفارقا فما كان يمكن أن يحلها مقدار لأن غير المتجزئ لا يطابق التجزؤ وهذا مبدأ للطبيعيات.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
