ناطق ، فهو إذن ناطق : لم تكن أخذت في الاستثناء شيئا أعرف من النتيجة وأيضا فإن الحد لا يكتسب من حد الضد ، فليس لكل محدود ضد ، ولا أيضا حد أحد الضدين أولى بذلك من حد الضد الآخر. والاستقراء لا يفيد علما كليا ، فكيف يفيد الحد ، لكن الحد يقتنص بالتركيب ، وذلك بأن تعمد إلى الأشخاص التي لا تنقسم ، وتنظر من أي جنس هي من العشرة ، فتأخذ جميع المحمولات المقومة لها التي في ذلك الجنس ، وتجمع العدة منها بعد أن تعرف أيها الأول ، وأيها الثاني. فإذا جمعنا هذه المحمولات ووجدنا منها شيئا مساويا للمحدود من وجهين فهو الحد ؛ أحدهما : المساواة في الحمل (١) ، والثاني : المساواة في المعنى (٢) ، وهو أن يكون دالا على كمال حقيقة ذاته لا يشذ منه شيء ، فإن كثيرا مما يميز الذات يكون قد أخل ببعض الأجناس أو ببعض الفصول ، فيكون مساويا في الحمل ولا يكون مساويا في المعنى ، وبالعكس. ولا يلتفت في الحد إلى أن يكون وجيزا بل ينبغي أن تضع الجنس القريب فيه باسمه أو بحده ، ثم تأتي بجميع الفصول الذاتية. فإنك إذا تركت بعض الفصول فقد تركت بعض الذات.
والحد عنوان للذات وبيان لها. فيجب أن يقوم في النفس صورة معقولة مساوية للصورة الموجودة بتمامها. فحينئذ يعرض أن يتميز أيضا المحدود ، ولا حد في الحقيقة لما لا وجود له ، وإنما ذلك قول يشرح الاسم. فالحد إذن قول دال على الماهية ، والقسمة معينة في الحد خصوصا إذا كانت بالذاتيات. ولا يجوز تعريف الشيء بما هو أخفى منه ، ولا بما هو مثله في الجلاء والخفاء ، ولا بما لا يعرف الشيء إلا به.
__________________
(١) المقصود أن يكون كل ما يحمل عليه المحدود يحمل عليه هذا القول ، وكل ما يحمل عليه هذا القول يحمل عليه المحدود.
(٢) كقولنا في حد الإنسان : إنه جسم ناطق ميت مثلا. فإن هذا ليس بحد حقيقي بل هو ناقص. لأن الجنس القريب غير موضوع فيه ، وكقولنا في حد الحيوان إنه جسم ذو نفس حساس من غير أن نقول «ومتحرك بالإرادة» فإن هذا مساو في الحمل وناقص في المعنى.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
