وكل نوع من أنواع النبات والحيوان مختص بطبيعة خاصة ، وحدّوا الطبيعة العامة بأنها مبدأ الحركات في الأشياء والسكون فيها على الأمر الأول من ذواتها ، وهي علة الحركة في المتحركات ، وعلة السكون في الساكنات ، وزعموا أن الطبيعة هي التي تدبر الأشياء كلها في العالم : حيوانه ونباته ومواته ، تدبيرا طبيعيا ، وليست هي حية ولا قادرة ، ولا مختارة ، ولكن لا تفعل إلا حكمة وصوابا ، وعلى نظم صحيح وترتيب محكم.
قال ثامسطيوس : قال أرسطوطاليس في مقالة اللام «إن الطبيعة تفعل ما تفعل من الحكمة والصواب ، وإن لم تكن حيوانا ، لأنها ألهمت من سبب هو أكرم منها» وأومأ إلى أن السبب هو الله عزوجل ، وقال أيضا : إن الطبيعة طبيعتان : طبيعة هي مستعلية على الكون والفساد بكليتها وجزئيتها ، يعني الفلك والنهيرات وطبيعة يلحق جزئياتها الكون والفساد لا كلياتها ، يريد بالجزئيات الأشخاص ، وبالكليات الأسطقسات.
٨ ـ رأي الإسكندر الأفروديسي (١)
وهو من كبار الحكماء رأيا وعلما ، وكلامه أمتن ، ومقالته أرصن ، وافق أرسطوطاليس في جميع آرائه ، وزاد عليه في الاحتجاج على أن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها كلياتها وجزئياتها (٢) على نسق واحد ، وهو عالم بما كان وبما سيكون ، ولا يتغير علمه بتغير المعلوم ، ولا يتكثر بتكثره.
__________________
(١) ولد في أفردوسيا من أعمال آسيا الصغرى ، وتفقه في الفلسفة على أساتذة أرسطوطاليين أشهرهم أرسطوقليس ، وكان أشهر شراح أرسطو حتى لقبه خلفاؤه بأرسطو الثاني ، فقصد في شروحه إلى تفسير آراء أرسطو وتبريرها أمام المدارس الأخرى وبخاصة الرواقية. ومن مصنفاته كتاب السماع الطبيعي والكون والفساد والآثار العلوية ، وله كتاب النفس والعناية في الفرق بين الهيولى والجنس وغيرها. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٣٠٢).
(٢) ويتفق رأيه هذا وما جاء به الدين من أن الله يعلم الجزئيات المتغيرة علمه بالأمور الكلية. فالعلم بالجزئيات جاء علم الله بها صراحة في القرآن الكريم (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ).
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
