العلوية التي بلا نهاية ، وكان هذا واحدا منها (١). وبقي جوهر كل قشر ودنس وخبث ويكون له أهل يلبسه ، لأنه غير جائز أن تكون الأنفس الطاهرة التي لا تلبس الأدناس والقشور ، مع الأنفس الكثيرة القشور في عالم واحد ، وإنما يذهب من هذا العالم ما ليس من جهة المتوسطات الروحانية ، وما كان القشر والدنس عليه أغلب. فأما ما كان من الباري تعالى بلا متوسط ، أو كان من متوسط بلا قشر ، فإنه لا يضمحل قال : وإنما يدخل القشر على الشيء من غير المتوسطات فيدخل عليه بالعرض لا بالذات ، وذلك إذا كثرت المتوسطات ، وبعد الشيء عن الإبداع الأول ، لأنه حيثما قلت المتوسطات في الشيء كان أنور ، وأقل قشورا ودنسا ، وكلما قلت القشور والدنس كانت الجواهر أصفى ، والأشياء أبقى.
ومما ينقل عن برقلس أنه قال : إن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها : أجناسها ، وأنواعها ، وأشخاصها. وخالف بذلك أرسطوطاليس ، فإنه قال يعلم أجناسها وأنواعها دون أشخاصها الكائنة الفاسدة ، فإن علمه يتعلق بالكليات دون الجزئيات ، كما ذكرنا.
ومما ينقل عنه في قدم العالم قوله : لن يتوهم حدوث العالم إلا بعد أن يتوهم أنه لم يكن ، فأبدعه الباري تعالى في الحالة التي لم يكن. وفي الحالة التي لم يكن لا يخلو من حالات ثلاث :
١ ـ إما أن الباري لم يكن قادرا فصار قادرا ، وذلك محال لأنه قادر لم يزل.
٢ ـ وإما أنه لم يرد فأراد ، وذلك محال أيضا لأنه مريد لم يزل.
__________________
(١) فهو يرى أن هذا العالم مآله وآخر أمره إلى الصفاء والخيرية شبيها بالعالم الروحاني ، فالشر ليس أبديا ، بل هو عارض ، فبرأ الأول وهو البسيط الباطن من دنس العالم المنتشر فيه والعالق به ، إذ أن العالم إذا ما تغيرت قشوره وذهب دنسه ورجسه لحق بعالمه وصار بسيطا روحانيا تشع فيه الجواهر الصافية النورانية ، إذا ما تسنم المنزلة الروحية كعالمه الأعلى الذي هو بلا نهاية ، وكان هذا العالم واحدا منها ، وفي هذا ما يطمئن النفوس على مستقبل هذا العالم ، لأن نهايته إلى صفاء وخير.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
