تعالى علة الشرور ، بل الله تعالى علة الخيرات والفضائل والجود والعقل. جعلها بين خلقه ، فمن كسبها وتمسك بها نالها ، لأنه لا يدرك الخيرات إلا بها.
وسأله الإسكندر يوما فقال : بأي شيء يكتسب الثواب؟ قال : بأفعال الخيرات. وإنك لتقدر أيها الملك أن تكتسب في يوم واحد ما لا تقدر الرعية أن تكسبه في دهرها.
وسأله عصبة من أهل الجهل : ما غذاؤك؟ قال : ما عفتم ، يعني الحكمة.
قالوا : فما عفت؟ قال : ما استطبتم ، يعني : الجهل. قالوا : كم عبدا لك؟
قال : أربابكم ، يعني : الغضب ، والشهوة ، والأخلاق الرديئة الناشئة منهما.
وقالوا له يوما : ما أقبح صورتك! قال : لم أملك الخلقة الذميمة فألام عليها ، ولا ملكتم الخلقة الحسنة فتحمدوا عليها. وأما ما صار في ملكي وأتى عليه تدبيري فقد استكملت تزيينه وتحسينه بغاية الطوق ، وقاصية الجهد. واستكملتم شين ما في ملككم. قالوا : فما الذي في الملك من التزيين والتهجين؟ قال : أما التزيين فعمارة الذهن بالحكمة ، وجلاء العقل بالأدب ، وقمع الشهوة بالعفاف ، وردع الغضب بالحلم ، وقطع الحرص بالقنوع وإماتة الحسد بالزهد ، وتذليل المرح بالسكون ، ورياضة النفس حتى تصير مطية قد ارتاضت فتصرفت حيث صرفها فارسها في طلب العليات ، وهجر الدنيات. ومن التهجين : تعطيل الذهن من الحكمة ، وتوسيخ العقل بضياع الأدب ، وإثارة الشهوة باتباع الهوى ، وإضرام الغضب بالانتقام ، وإمداد الحرص بالطلب.
وقدم إليه رجل طعاما وقال له : استكثر منه ، فقال : عليك بتقديم الأكل ، وعلينا باستعمال العدل.
وقال : زمام العافية بيد البلاء ، ورأس السلامة تحت جناح العطب. وباب الأمن مستور بالخوف ، فلا تكونن في حال من هذه الثلاث غير متوقع لضدها.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
