فبحر عجّاج ، وماء ثجّاج ، يخرج من بحرة مرجان الحكم ، وينبت بثجّاجه ألفاف النّعم في رياض الهمم. لقد حفظ علوم المسلمين ، وأربى على أهل كلّ (١) دين ، وألّف «الملل والنّحل». وكان في صباه يلبس الحرير ، ولا يرضى من المكانة إلّا بالسّرير. أنشد المعتمد ، فأجاد ، وقصد بلنسية ، وفيها المظفّر أحد الأطواد.
حدّثني عنه عمر بن واجب قال : بينما نحن عند أبي ببلنسية ، وهو يدرّس المذهب ، إذا بأبي محمد بن حزم يسمعنا ، ويتعجّب ثمّ سأل الحاضرين عن سؤال من القدريّة (٢) جووب عليه ، فاعترض فيه (٣) ، فقال له بعض الحضّار : هذا العلم ليس من منتحلاتك. فقام وقعد ، ودخل منزله فعكف. وكف منه وابل فما كفّ. وما كان بعد أشهر قريبة حتّى قصدنا إلى ذلك الموضع ، فناظر أحسن مناظرة قال فيها : أنا أتبع الحقّ ، وأجتهد ، ولا أتقيّد بمذهب (٤).
__________________
(١) في السير ١٨ / ١٩٠ «على كل أهل».
(٢) في السير ١٨ / ١٩١ «ثم سأل الحاضرين مسألة من الفقه».
(٣) في السير : «فاعترض في ذلك».
(٤) سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٩٠ ، ١٩١ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٤٨ ، لسان الميزان ٤ / ١٩٩.
وقد عقّب المؤلّف الذهبي ـ رحمهالله ـ على ذلك فقال :
«قلت : نعم ، من بلغ رتبة الاجتهاد ، وشهد له بذلك عدّة من الأئمّة ، لم يسغ له أن يقلّد ، كما أنّ الفقيه المبتدئ والعاميّ الّذي يحفظ القرآن أو كثيرا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدا ، فكيف يجتهد؟ وما الّذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولم يريّش؟ والقسم الثالث : الفقيه المنتهي اليقظ الفهم المحدّث ، الّذي قد حفظ مختصرا في الفروع ، وكتابا في قواعد الأصول ، وقرأ النحو ، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته ، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد ، وتأهّل للنظر في دلائل الأئمّة ، فمتى وضح له الحقّ في مسألة ، وثبت فيها النص ، وعمل بها أحد الأئمّة الأعلام كأبي حنيفة مثلا ، أو كمالك ، أو الثوريّ ، أو الأوزاعيّ ، أو الشافعيّ ، وأبي عبيد ، وأحمد ، وإسحاق ، فليتّبع فيها الحقّ ولا يسلك الرخص ، وليتورّع ، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجّة عليه تقليد ، فإن خاف ممن يشغّب عليه من الفقهاء فليتكتّم بها ولا يتراءى بفعلها ، فربما أعجبته نفسه ، وأحبّ الظهور ، فيعاقب. ويدخل عليه الداخل من نفسه ، فكم من رجل نطق بالحق ، وأمر بالمعروف ، فيسلّط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده ، وحبّه للرئاسة الدينية ، فهذا داء خفيّ سار في نفوس الفقهاء ، كما أنه داء سار في نفوس المنفقين من الأغنياء وأرباب الوقوف والتّرب المزخرفة ، وهو داء خفيّ يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين ، فتراهم يلتقون العدوّ ، ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مخبئات وكمائن من الاختيال وإظهار الشجاعة ليقال ، والعجب ، ولبس القراقل المذهّبة ، والخوذ المزخرفة ، والعدد المحلّاة على نفوس متكبّرة ، وفرسان متجبّرة ، وينضاف إلى ذلك =
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٣٠ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3561_tarikh-alislam-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
