حكى هارون النّحويّ قال : كنّا نختلف إلى [أبي] (١) علي بجامع الزهراء ، فأخذني المطر ، فدخلت وثيابي مبتلّة ، وحوله أعلام أهل قرطبة ، فقال لي : مهلا يا أبا نصر هذا هيّن وتبدّله بثياب أخر ، فلقد عرض لي ما أبقى بجسمي ندوبا. كنت أختلف إلى ابن مجاهد فأدلجت ، فلما انتهيت إلى الدرب رأيته مغلقا فقلت : أبكّر هذا البكور وتفوتني النّوبة ، فنظرت إلى سرب هناك فاقتحمته ، فلما أن توسّطته ضاق بي ، ونشبت فاقتحمته أشدّ اقتحام ، فنجوت بعد أن تخرّقت ثيابي وتزلّع جلدي حتى انكشف العظم ، فأين أنت ممّا عرض لي.
ثم أنشد :
|
ثبتّ للمجد والسّاعون قد بلغوا |
|
جهد النّفوس وألقوا دونه الأزرا |
|
فكابدوا المجد حتى ملّ أكثرهم |
|
وعانق المجد من أوفى ومن صبرا |
|
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله |
|
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا |
قال : ودخل (٢) الأندلس في سنة ثلاثين ، فقصد صاحبها عبد الرحمن النّاصر لدين الله فأكرمه ، وصنّف لولده الحكم تصانيف ، وبثّ علومه هناك ، وكان قد بحث على ابن درستويه الفارسيّ كتاب سيبويه ، ودقّق النظر وانتصر للبصريّين ، وأملى أشياء من حفظه ككتاب «النوادر» وكتاب «الأمالي» الّذي اشتهر اسمه ، وكتاب «المقصور والممدود» ، وله كتاب «الإبل» وكتاب «الخيل» ، وله كتاب «البارع في اللغة» نحو خمسة آلاف ورقة ، لم يؤلّف أحد مثله في الإحاطة والجمع لكن لم يتمّمه. وولاؤه لعبد الملك بن مروان ولهذا قصد بني أميّة ملوك الأندلس ، فعظم عندهم وكانت [مؤلّفاته] (٣) على غاية الإتقان.
أخذ عنه : عبد الله بن الربيع التميمي ، وهو آخر من حدّث عنه ، وأحمد بن أبان بن سيد ، وأبو بكر محمد بن الحسن الزّبيدي اللّغوي ، وغيرهم.
__________________
(١) إضافة على الأصل.
(٢) في الأصل «دخلت».
(٣) إضافة على الأصل.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٢٦ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3535_tarikh-alislam-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
