أولئك المتخلفون عن الجهاد من المنافقين وضعفة الإيمان قد دعوتهم إلى عرض قريب أي غنيمة حاضرة أو إلى سفر سهل قاصد معتدل لاتبعوك وخرجوا معك ، ولكن دعوتهم إلى تبوك وفي زمن الحر والحاجة فبعدت عليهم الشقة فانتحلوا الأعذار إليك وتخلفوا. وقوله تعالى (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ) أي لكم قائلين : لو استطعنا أي الخروج لخرجنا معكم. قال تعالى (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) حيث يجلبون لها سخط (١) الله وعقابه (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) في كل ما اعتذروا به. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية (٤١ ـ ٤٢) وأما الآية الثالثة فقد تضمنت عتاب الله تعالى لنبيه صلىاللهعليهوسلم حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك وكان من السياسة الرشيدة عدم الإذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب قال تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ) (٢) أي تجاوز عنك ولم يؤاخذك وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) تعجيلا للمسرة للنبي صلىاللهعليهوسلم إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفا وحزنا ، وقوله تعالى (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) علة للعتاب على الإذن للمنافقين (٣) بالتخلف عن الخروج إلى تبوك.
هداية الآيات
من هداية الآيات :
١ ـ إذا أعلن الإمام التعبئة العامة يحرم التخلف عن الجهاد ولا يقعد أحد ، إلا بإذن لأجل علة قامت به فاستأذن فأذن له.
٢ ـ الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال وهو خير من تركه حالا ومآلا.
٣ ـ الأيمان الكاذبة لإبطال حق أو إحقاق باطل توجب سخط الله تعالى وعذابه.
٤ ـ مشروعية العتاب للمحب.
٥ ـ جواز مخالفة الأولى على النبي صلىاللهعليهوسلم لعدم علمه ما لم يعلّمه الله تعالى.
__________________
(١) بسبب كذبهم ونفاقهم وأيمانهم الكاذبة.
(٢) أخبره بالعفو قبل العتاب رحمة به وإكراما له ، إذ لو قال له لم أذنت لهم أوّلا لكان يطير قلبه صلىاللهعليهوسلم من الفرق أي : الخوف.
(٣) هؤلاء قوم منافقون قالوا نستأذنه في القعود فإن أذن لنا قعدنا ، وإن لم يأذن لنا قعدنا. أمّا غير هؤلاء فقد رخّص له في الإذن لمن شاء في قوله : (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) من سورة النور.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٢ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3465_aysar-altafasir-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
