جاء الإسلام وأعز الله أهله ، نسخ حرمة القتال فيها. وقوله تعالى (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي تحريم هذه الأشهر واحترامها بعدم القتال فيها هو الشرع المستقيم وقوله تعالى (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي لا ترتكبوا الذنوب والمعاصي في الأشهر الحرم فإن ذلك يوجب غضب الله تعالى وسخطه عليكم فلا تعرضوا أنفسكم له ، وقوله تعالى (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) هذا خطاب للمؤمنين يأمرهم تعالى بقتال المشركين بعد انتهاء المدة التي جعلت لهم وهي أربعة أشهر وقوله (كَافَّةً) (١) أي جميعا لا يتأخر منكم أحد كما هم يقاتلونكم مجتمعين على قتالكم فاجتعموا أنتم على قتالهم ، وقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) وهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي ومعناه أن الله معكم بنصره وتأييده على المشركين العصاة وقوله عزوجل (إِنَّمَا النَّسِيءُ (٢) زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) أي إنما تأخير حرمة محرم إلى صفر كما يفعل أهل الجاهلية ليستبيحوا القتال في الشهر الحرام بهذه الفتيا الشيطانية هذا التأخير زيادة في كفر الكافرين ، (٣) لأنه محاربة لشرع الله وهي كفر قطعا لقوله تعالى (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بالنسيء يزدادون ضلالا فوق ضلالهم. وقوله (يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) يعني النسيء وهو الشهر الذي أخروه أي أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام ، فعاما يحلون وعاما يحرمون حتى يوافقوا عدة الأشهر الحرم بلا زيادة ولا نقصان ، ظنا منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإبليسية كما قال تعالى (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ) والمزين للباطل قطعا هو الشيطان. وقوله تعالى (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) يخبر تعالى أنه عزوجل لا يهدي القوم الكافرين لما هو الحق والخير وذلك عقوبة لهم على كفرهم به وبرسوله ، وإصرارهم على ذلك.
__________________
(١) كافة : معناه جميعا ، وهو مصدر في موضع الحال أي : محيطين بهم ومجتمعين. قالوا : نظير كافة : في كونه لا يبني ولا يجمع : عاقبة وعامة وخاصة.
(٢) قرأ الجمهور : (النَّسِيءُ) مهموزا وقرأ ورش : النسيّ بالياء المشددة ، وهو فعيل بمعنى مفعول في قولك : نسأت الشيء أنسأه إذا أخّرته ، فنقل من منسوء إلى نسيء كما نقل مفتول إلى فتيل لأنّه أخف ، وأصل هذا التشريع الجاهلي : أنّ العرب قبل الإسلام كانوا أهل حروب فإذا احتاجوا إلى القتال في الشهر الحرام طلبوا من زعيمهم أن ينسيء المحرّم أي : يؤخره إلى صفر حتى يمكنهم الحرب في المحرم بعد الحج وما زالوا يؤخرون ويقدمون حتى اختلطت الشهور وأصبح رجب جمادى ورمضان شوال وهكذا ، ودارت الشهور دورتها ، وفي عام حجة الوداع أعلن الرسول صلىاللهعليهوسلم عن ذلك بقوله : (إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) يريد أن الشهور قد رجعت إلى مواضعها ، وأصبح كل شهر في موضعه فوقع حجّ النبي صلىاللهعليهوسلم في موضعه.
(٣) إذ كفروا بالشرك وانكار المعاد وتكذيب الرسل ، ونسبة الولد لله تعالى. ثم بالنسيء ازدادوا كفرا.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٢ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3465_aysar-altafasir-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
