ذلك من أجل أن يأتي بني إسرائيل بكتاب من ربهم يتضمن شريعة كاملة يساسون بها وتحكمهم ليكملوا ويسعدوا عليها.
وقوله تعالى (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) (١) أي في الموعد الذي واعدنا والوقت الذي حددنا وكلمه ربه بلا واسطة بينهما بل كان يسمع كلامه ولا يرى ذاته ، تاقت نفس موسى لرؤية ربه تعالى ، فطلب ذلك فقال (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) فأجابه ربه تعالى بقوله إنك لن تراني أي رؤيتك لي غير ممكنة لك ، ولكن إذا أردت أن تتأكد من أن رؤيتك لي في هذه الحياة غير ممكنة فانظر إلى الجبل «جبل الطور» فإن استقر مكانه بعد أن أتجلى له ، فسوف تراني (فَلَمَّا تَجَلَّى (٢) رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى) عند رؤية الجبل (صَعِقاً) أي مغشيا عليه (فَلَمَّا أَفاقَ) مما اعتراه من الصعق (قالَ سُبْحانَكَ) أي تنزيها لك وتقديسا (تُبْتُ إِلَيْكَ) (٣) فلم أسألك بعد مثل هذا السؤال (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بك وبجلالك وعظيم سلطانك وأنا عبدك عاجز عن رؤيتك في هذه الدار دار التكليف والعمل.
وهنا أجابه ربه تعالى قائلا (يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) من هذا الكمال (٤) والخير العظيم (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لي على إنعامي لأزيدك وذلك بطاعتي والتقرب إلى بفعل محابي وترك مكارهي. وقوله تعالى (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ (٥) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) أي كتبنا له في ألواحه من كل شيء
__________________
ـ الرسول صلىاللهعليهوسلم لعلي وقد استخلفه في إحدى عزواته : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي) أنّ الأصحاب كفروا لتركهم النّص في خلافة علي واجتهدوا واستخلفوا أبا بكر ، ومنهم من كفّر عليا لأنه لم يطالب بالخلافة وما دروا أنّ الرسول استخلف غير واحد ومنهم ابن أمّ مكتوم فهل دلّ ذلك على استخلافه على أمته بعد موته؟ فما أضلّ القوم وأعظم جهلهم!
(١) في الآية دليل على مشروعية الموادعة والتوقيت وأن التاريخ يكون باللّيالي لا بالأيام ، قال ابن العربي : حساب الشمس للمنافع وحساب القمر للمناسك.
(٢) تجلّى معناه ظهر ، واندكاك الجبل على قوة بنيته وعظيم جسمه كان لعجزه عن رؤية الربّ تبارك وتعالى وهذا كقوله تعالى : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ).
(٣) الإجماع على أنّ توبة موسى هذه لم تكن من ذنب وإنما هي بمعنى الإنابة إلى الله تعالى وعدم طلب مثل هذا الذي طلب.
(٤) فيه الدعوة إلى القناعة وهي خير ما يؤتى المرء في الحياة.
(٥) اختلف في أيهما كان أوّلا الألواح أو التوراة ، والظاهر أنّ الألواح كانت أوّلا ثم أوحيت التوراة عليها فصارت كتابا واحدا هو التوراة.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٢ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3465_aysar-altafasir-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
