تلك الإرادة إما أن تكون معقولة فليس المعقول إلا ما أشبه إرادة المخلوق ـ تعالى الله عن ذلك ـ ، وإما أن تكون غير معقولة فيكون الكلام فيها غلوا وعبثا وتجاوزا لحد العقل وحد التكليف.
والمذهب الثاني : قول الأشعرية إنه سبحانه مريد لذاته إرادة قديمة.
والذي يدل على بطلان ذلك هو : كونه خارجا عن حد العقل ، وذلك لأنه لا يعقل كون الإرادة إرادة إلا إذا كانت فعلا للمريد ، ووصف الفعل بالقدم مما لا يخفى بطلانه على كل عاقل.
والمذهب الثالث : قول المعتزلة إنه سبحانه مريد بإرادة محدثة ، وإنه خلقها ولم يردها ، وإنها عرض موجود لا في محل ، وإنها مختصة به على أبلغ الوجوه لأجل وجوده (١) لا في محل ، وكل هذه الأقوال ظاهرة البطلان.
أما قولهم : إنه مريد بإرادة محدثة.
فالذي يدل على بطلانه كون دليلهم عليه مبنيا على الغلط ، وذلك قولهم : قد ثبت كونه سبحانه مريدا ؛ فلا يخلو : إما أن يكون مريدا لذاته أو لغيره ، وإذا كان مريدا لغيره فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة ، وإذا كان لعلة لم يخل إما أن تكون قديمة أو محدثة ؛ ثم أبطلوا الأقسام كلها إلا العلة المحدثة التي زعموا أنها أوجبت كونه سبحانه مريدا.
وموضع الغلط من (٢) هذه القسمة في أولها ، وهو قولهم : لا يخلو : إما أن يكون مريدا لذاته أو لغيره ، ثم وقفوا على هذين القسمين المستحيلين ، وأسقطوا القسم الثالث الذي هو صحيح ، وهو كونه سبحانه مريدا لا لذاته ولا لغيره ؛ لأجل كونه مريدا لا بإرادة.
وأما قولهم : إنه سبحانه خلق الإرادة ، ولم يردها.
فالذي يدل على بطلانه : هو ما يعلمه كل عاقل من أن الفاعل لما لا يريد لا يخلو : من أن
__________________
(١) ـ نخ (أ ، ج) : وجودها.
(٢) ـ في (ب) : في.
