خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ) [الإنسان : ٢] ، وقال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك : ٢] ، وقال : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء : ٣٥].
وقال تعالى في بلوى المفاضلة : (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) [الأنعام : ١٦٥] ، وقال : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) [الأنعام : ٥٣] ، وهذا موضع الفائدة من هذا الفصل ، وهو التنبيه على معرفة عظم هذه البلية التي لأجلها هلك أكثر الأولين والآخرين.
وأما بيان وجه الحكمة في الابتلاء ؛ فهو ما أخبر الله سبحانه به من التمييز بين المطيعين والعاصين بما (١) يظهر عند البلوى من أسرارهم ؛ لأنه سبحانه لحكمته لا يعذب على ما يعلم من معاصي العباد قبل ظهورها ، وظهورها لا يكون إلا بالامتحان كما قال سبحانه : (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) (٣) [العنكبوت] ، وقال: (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران : ١٧٩].
ومن أمثلة ذلك : ما حكى سبحانه من امتحانه للملائكة بإيجاب السجود من أجل آدم ؛ فسجدوا إلا إبليس.
وامتحانه لأصحاب طالوت بتحريم الشرب من النهر [فشربوا إلا قليلا منهم (٢)] ، وامتحانه لأصحاب القرية بتحريم صيد يوم السبت.
وامتحانه لقوم موسى بمغيبه عنهم ، واستخلافه لهارون فيهم ، وأشباه ذلك مما يدل على أنه سبحانه يمتحن أهل كل عصر إلى يوم القيامة بما يميز بينهم ، ويوجب له الحجة عليهم ،
__________________
(١) ـ نخ (ب) : مما.
(٢) ـ زيادة من نخ (ب ، ج).
