طاعاته الظاهرة ؛ فإنّ الاعتماد على التقوى ـ والتقوى في القلب ، وهو أغمض من أن يطّلع عليه صاحبه فكيف غيره؟
ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنّه لا عفو عن عبد إلّا بسبب خفيّ يقتضي العفو ، ولا غضب إلّا بسبب باطن يقتضي البعد من الله ؛ ولو لا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ، ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ، ولو لم يكن عدلا لم يصحّ قوله ـ تعالى ـ : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [٤١ / ٤٦] ، ولا قوله : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) [٤ / ٤٠]. وكلّ ذلك صحيح ، ف (لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) ، وسعيه هو الذي يرى ، و (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ، و (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) ، ولمّا غيّروا أنفسهم غيّر الله ما بهم ، تحقيقا لقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) [١٣ / ١١].
وهذا كلّه قد انكشف لأرباب القلوب انكشافا أوضح من المشاهدة بالبصر ، إذ البصر يمكن الغلط فيه ، إذ قد يرى البعيد قريبا ، والكبير صغيرا ، ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيه ، وإنّما الشأن في انفتاح بصيرة القلب ، وإلّا فما يرى بعد الانفتاح فلا يتصوّر فيه الكذب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) [٥٣ / ١١].
* * *
الرتبة الثالثة رتبة الناجين : وأعني بالنجاة السلامة فقط ، دون السعادة والفوز ؛ وهم قوم لم يخدموا ليخلع عليهم ،
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)