يذيب البدن ويضعفه ، ألا ترى إلى أهل الآخرة والمتّقين كيف نحلت أبدانهم ، واصفرّت وجوههم ، وغارت أعينهم ـ كما وصفهم أمير المؤمنين عليهالسلام في حديث همام (١) ـ وإلى أهل الدنيا البعيدين عن العلم والحكمة ، كيف نضرت وجوههم وسمنت أبدانهم وفرحت أنفسهم؟ كما قال الله ـ عزوجل ـ : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) [٦٣ / ٤].
ولهذا صار مدار النجاة على الإيمان ، الذي هو من فعل القلب ـ وإن عظمت الذنوب وكثرت السيّئات ـ ومدار الهلاك على الكفر والشرك ـ الذين من فعله أيضا وإن كثرت طاعات الجوارح ـ كما قال الله ـ تعالى ـ : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [٤ / ٤٨] وقال ـ جلّ جلاله ـ : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [٢٥ / ٢٣].
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) : «والذي بعثني بالحقّ بشيرا لا يعذّب الله بالنار موحّدا أبدا ، وإنّ أهل التوحيد ليشفعون فيشفّعون».
وليعلم أنّ فعل القلب إنّما ينفع ويثقل الميزان إذا رسخ فيه ونوّره بحيث يسري إلى الجوارح والأعضاء ، دون مجرّد الخطور بالبال ووسوسة النفس مع عدم العقد عليه.
قال بعض المحقّقين (٣) : «كلّ فعل يقتضي اطمينان النفس فهو
__________________
(١) ـ راجع نهج البلاغة : الخطبة ١٩٣.
(٢) ـ التوحيد : باب ثواب الموحّدين ، ٢٩ ، ح ٣١. أمالي الصدوق : المجلس التاسع والأربعون ، ح ١٠ ، ٣٧٢. عنهما البحار : ٣ / ١ ، ح ١. ٨ / ٣٥٨ ـ ٣٥٩ ، ح ٢٣.
(٣) ـ راجع مفاتيح الغيب : المفتاح التاسع عشر ، المشهد الثالث عشر : ٦٥١ ـ ٦٥٢.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)