وصل
فإن قلت : بم يعرف قدر الأعمال؟ وما معنى رجحانها وثقلها؟
فاعلم (١) : أنّ لكلّ عمل من الأعمال البدنيّة تأثيرا في النفس ، فإن كان من باب الحسنات والطاعات ـ كالصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد وغيرها ـ فله تأثير في تنوير النفس وتخليصها من أسر الشهوات وتطهيرها من غواسق الماديّات ، وجذبها من الدنيا إلى الاخرى ، ومن المنزل الأدنى إلى المحلّ الأعلى ؛ فلكلّ عمل منها مقدار معيّن من التأثير في التنوير والتهذيب ؛ بل لكلّ جزء من أجزاء العمل الواحد أثر في ذلك ـ كما قال ـ عزوجل ـ : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) [٩٩ / ٧].
مثال ذلك : لو فرضنا سفينة عظيمة ، بحيث لو القي فيها مائة ألف منّ ، فإنّها تغوص في الماء قدر شبر واحد ، [و] لو لم يكن فيها إلّا حبّة واحدة من الحنطة ، فذلك القدر من الجسم الخفيف فيها يوجب غوصها في الماء بمقدار ما له من الثقل ـ وإن بلغ في القلّة إلى حيث لا يدركه الحسّ ـ فإذا تضاعفت وتكثّرت الحسنات فبقدر تكثّرها وتضاعفها يزداد مقدار التأثير والتنوير.
وكذلك لكلّ عمل من الأعمال السيّئة ـ بل لكلّ جزء من أجزاء العمل الواحد ـ كما عرفت ـ قدر معيّن من التأثير في إظلام جوهر النفس وتكثيفها وتكديرها ، وتعليقها بالدنيا وشهواتها ، وتقييدها
__________________
(١) ـ مقتبس من الأسفار الأربعة : ٩ / ٣٠٣.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)