ثمّ قد بيّن أنّ صور تلك النشأة وموجوداتها كلّها حيّة مدركة ، ولا ميّت فيها ـ وسنؤكّد ذلك بالأخبار والنقول فيما بعد ـ وكلّ حيّ مدرك يحبّ نفسه ويحبّ أن يكون مقبولا غير مردود ؛ فكأنّ المفتّش عن الاعتقاد إنّما هو الملكان ، حيث صار ذلك غرضا لهما بهذا الاعتبار.
وأيضا : فإنّ النفس أقرب إلى الاعتقاد من العمل إليه ، فكأنّها عالمة به ، فينبغي أن تكون مسئولا عنها ، لما بينها وبينه من الاتحاد ؛ والملكان سائلين ، لما بينهما وبينه من المباينة.
ويؤيّد هذا سكوته عليهالسلام في الحديث المذكور عن العمل المنكر ، واقتصاره على ذكر العمل الصالح ، وتسمية الملكين في بعض الأخبار ب «قعيدي القبر» (١) ـ حيث يشعر بالمصاحبة ـ وعدم السؤال إلّا عن المؤمن المحض والكافر المحض (٢) ، فإنّ من لا يهتمّ بالدين فهو بمعزل عن ذلك.
إلى غير ذلك من الإشارات ؛ وسينكشف لك زيادة انكشاف بما ستطلع عليه من نظائره ـ والله أعلم بأسرار شريعته ـ.
وقال بعض العلماء :
«إنّه لمّا كانت السعادة والشقاوة الحاصلتان للنفس إنّما تحصل من جهة قوّتين ـ : نظريّة وعمليّة ـ جعل ما يكتسب على كلّ واحدة منهما ملكا ؛ فإن كان المكتسب جهلا مركّبا ورذائل أخلاق ، فمنكر ونكير ، وإن كان علما ومكارم ، فمبشّر
__________________
(١) ـ راجع ما مضى في الفصل الخامس من هذا الباب.
(٢) ـ راجع الرواية في الفصل الثالث من هذا الباب.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)