فقد قيل : إنّ السبب فيها أمران : فاعليّ وغائيّ :
أمّا الفاعليّ : فهو أنّ النفس لها نشئات ثلاثة : حسيّة وخياليّة وعقليّة :
فأوّل نشئاتها نشأة الحسّ ، ولها الغلبة على الإنسان ما دامت هذه الحياة الحسيّة باقية له ، فيجري أحكامها على النفس في هذه الدار ، ويؤثّر فيها من هذه الجهة كلّ ما يؤثّر في الجوهر الحاسّ وفي الحيوان الحسّي من الملائمات والمنافرات الحسّية ، ولهذا تتضرّر وتتألّم بتفرّق الاتصال وبالاحتراق بالنار وساير المنافيات الحسيّة ؛ لا من حيث كونها جوهرا ناطقا وذاتا عقليّة ذات نشأة روحانيّة وعالم ملكوتي ، بل من حيث كونها جوهرا حسّاسا ذا نشأة حسّيّة وعالم دنياويّ ؛ فتوحّشها من الموت البدنيّ وكراهتها للعدم الحسّيّ إنّما يكون لها بحصّة من هذه النشأة الحسّية.
وأمّا ما يقتضيه العقل التامّ وقوّة الباطن وغلبة سلطان الملكوت والتشوّق إلى الله ـ تعالى ـ ومجاورة مقرّبيه : فهو محبّة الموت الطبيعي ، والوحشة عن حياة هذه النشأة ، ومشاهدة حيوانات الدنيا ؛ فإنّ وحشة أهل الباطن عن مجاورة أحياء هذا العالم أشدّ من وحشة الإنسان الحيّ عن مجاورة الأموات بكثير.
ومن هنا قال أمير المؤمنين عليهالسلام (١) حين ضربه ابن ملجم : «فزت وربّ الكعبة».
__________________
(١) ـ مناقب ابن شهرآشوب : فصل في مسابقته عليهالسلام باليقين والصبر ، ٢ / ١١٩. وفصل في مقتله : ٣ / ٣١٢. عنه البحار : ٤١ / ٢ ، ح ٢. و ٤٢ / ٢٣٩ ، ح ٤٥.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)