أمّا أسباب الحفظ لوجودهما : فالأكل والشرب ـ وذلك لبقاء البدن ـ والمناكحة ـ وذلك لبقاء النسل ـ وقد خلق الله الغذاء سببا للحياة ، والاناث محلا للحراثة ؛ إلّا أنّه ليس يختصّ المأكول والمنكوح ببعض الآكلين والناكحين بحكم الفطرة ، مع أنّهم محتاجون إلى تمدّن واجتماع وتعاون ، إذ لا يمكن لكلّ منهم أن يعيش وحده ، يتولّى تدبيراته المتكثّرة المختلفة من غير شريك يعاونه على ضروريّات حاجاته ؛
بل لا بدّ ـ مثلا ـ لأن ينقل هذا لهذا ، ويطحن هذا لهذا ، ويخبز هذا لهذا ـ وعلى هذا القياس ـ
فافترقت أعداد ، واختلفت أحزاب ، وانعقدت ضياع وبلاد ، فاضطرّوا في معاملاتهم ومناكحاتهم وجناياتهم إلى قانون مرجوع إليه بين كافّتهم ، يحكمون به بالعدل ، وإلّا لتهارشوا وتقاتلوا ، بل شغلهم ذلك عن السلوك للطريق ، بل أفضى بهم إلى الهلاك ، وانقطع النسل ، واختلّ النظام ، لما جبّل عليه كلّ أحد من أنّه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه فيه.
وذلك القانون هو الشرع.
وذلك القانون هو الشرع.
ولا بدّ من شارع يعيّن لهم ذلك القانون والمنهج ، لينتظم به معيشتهم في الدنيا ، ويسنّ لهم طريقا يصلون به إلى الله ـ عزوجل ـ بأن يفرض عليهم ما يذكّرهم أمر الآخرة والرحيل إلى ربّهم ، وينذرهم يوم ينادون فيه (مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) [٥٠ / ٤١] ،
وينشقّ (الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً) [٥٠ / ٤٤] ،
(وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [٥ / ١٦] ،
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)