وضعفت حرارته الهاضمة عن نضجها ، فهو يشتهي ولا يستمرئ (١) فعند ذلك يكون همّته أن يرى الطعام والآكلين له ، لينظر إليهم فيستروح من ألم شهواته الممنوع عنها ، لضعف الآلة وبطلان فعل القوّة ؛ فهكذا حكم تلك النفوس المفارقة ، كما اشير إليهم بقوله ـ تعالى ـ : (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [١١٤ / ٤ ـ ٦]».
ـ قال ـ : (٢) «ولمّا كانت الجنسيّة علّة الضمّ ، فالنفوس البشريّة الطاهرة النورانيّة تنضمّ إليها الأرواح الطاهرة النورانيّة ، من النفوس الكاملة المفارقة للأبدان ، الواقعين في عالم الملكوت مع الملائكة الذين هنالك ، فيعينونها على أعمالها التي هي من باب الخيرات والمبرّات ، والنفوس الشريرة الخبيثة تنضمّ إليها الأرواح الخبيثة من النفوس الشريرة المفارقة للأبدان ، الواقعين هنالك مع الشياطين ، فيعينونها على أعمالها التي هي من باب الشرور والآثام ، والظلم والعدوان.
ويسمّى الأوّل : إلهاما ، والثاني : وسوسة».
أقول : ويشهد لهذا قول الله ـ عزوجل ـ : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ) [٦ / ١٢٨]. وقوله
__________________
(١) ـ استمرأ الطعام : استطيبه ووجده أو صار له مريئا.
(٢) ـ راجع مفاتيح الغيب : المشهد العاشر من المفتاح الرابع ١٨٤.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)