فيشارك في سماع الصوت وتضعف فيه هذه الآثار ـ وهو يتعجّب من صاحب الوجد والغشي ـ ولو اجتمع العقلاء كلّهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه.
فهذا مثال في أمر خسيس ، لكنّه قريب إلى فهمك ، فقس به الذوق الخاصّ النبويّ ، واجتهد أن تصير من أهل الذوق بشيء من ذلك الروح ، فإنّ للأولياء منه حظّا وافرا ؛ فإنّ لم تقدر فاجتهد أن تصير ... من أهل العلم بها ، فإن لم تقدر فلا أقلّ من أن تكون من أهل الإيمان بها. و (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) [٥٨ / ١١].
والعلم فوق الإيمان ، والذوق فوق العلم ؛ فالذوق وجدان ، والعلم قياس وعرفان ، والإيمان قبول مجرّد بالتقليد وحسن الظنّ بأهل الوجدان أو بأهل العرفان.
فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنّها بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات ، والحسّي والخياليّ منها ، وإن كان يشارك البهائم في جنسها لكنّ الذي للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى ، وخلق الإنسان لأجل غرض أجلّ وأسمى ، وأمّا الحيوانات فلم يخلق لها إلّا لتكون آلتها في طلب غذائها في تسخّرها للآدميّ ، وإنما خلق للآدميّ لتكون شبكة له يقتنص بها من العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينيّة الشريفة ، إذ الإنسان إذا أدرك بالحسّ شخصا معيّنا اقتبس عقله منه معنى عامّا مطلقا».
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)