وفعله مثال الحواسّ ، فإنّ البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ، ولا الشمّ يزاحمهما ، ولا هما يزاحمان الشمّ ، بل هي ـ أيضا ـ نوع منهم كما سنشير إليه.
وهذا بخلاف اليد والرجل ، فإنّك قد تبطش بأصابع الرجل ـ بطشا ضعيفا ـ وقد تضرب غيرك برأسك ، فتزاحم بذينك اليد التي هي آلة البطش والضرب ؛ وكذلك الإنسان الذي يتولّى بنفسه الأفاعيل المختلفة ، فإنّ هذا نوع من العدول والاعوجاج عن العدل ، سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنّه ليس وحدانيّ الصفة ، فلم يكن وحدانيّ الفعل ؛ فلذلك تراه يطيع الله تارة ، ويعصيه اخرى ، لاختلاف دواعيه وصفاته.
وذلك غير ممكن في طباع الملائكة ، بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقّهم ، فلا جرم (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [٦٦ / ٦] (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) [٢١ / ٢٠] ، والراكع منهم راكع أبدا ، والساجد منهم ساجد أبدا ، والقائم منهم قائم أبدا.
وطاعتهم لله ـ عزوجل ـ من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن أن يشبه بطاعة أطرافك لك ، فإنّك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن الصحيح تردّد ولا اختلاف في طاعتك مرّة ومعصيتك اخرى ، بل كأنّه منتظر لأمرك ونهيك ، ينفتح وينطبق متّصلا بإشارتك ، فهذا يشبهه من وجه ، ولكن يخالفه من وجه ، إذ الجفن لا علم له بما يصدر عنه من الحركة ـ فتحا وإطباقا ـ والملائكة أحياء عالمون بما يفعلون.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)