حضيض عالم البهائم إلى عالم الملأ الأعلى ، فقد فتحت عينك فأدركت ظاهرها ، فغمّض عينك الظاهرة ، وانظر ببصيرتك الباطنة ، لترى عجائب باطنها ، وغرائب أسرارها. وهذا ـ أيضا ـ باب يطول الفكر فيه ، ولا مطمع في استيفائه.
فتأمّل السحاب الكثيف المظلم ، كيف تراه يجتمع في جوّ صاف لا كدورة فيه ، وكيف يخلقه الله ـ عزوجل ـ إذا شاء ومتى شاء؟ وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل ، وممسك في جوّ السماء ، إلى أن يأذن الله ـ عزوجل ـ في إرساله الماء ، وتقطيع القطرات ، كلّ قطرة بالقدر الذي أراده الله ـ عزوجل ـ وعلى الشكل الذي شاءه.
فترى السحاب يرشّ الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاصلة ، لا تدرك قطرة منها اخرى ، ولا تتصل واحدة باخرى ، بل تنزل كلّ واحدة في الطريق الذي ترسم فيه ، لا تعدل عنه ، ولا يتقدّم المتأخّر ، ولا يتأخّر المتقدّم ، حتّى يصيب الأرض قطرة قطرة.
فلو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة واحدة ، أو يعرفوا عدد ما ينزل منها في بلدة واحدة ، أو قرية واحدة لعجز حسّاب الجنّ والإنس عنه ، فلا يعلم عددها إلّا الذي أوجدها.
ثمّ كلّ قطرة منها عيّنت لكلّ جزء من الأرض ، ولكلّ حيوان من طير ووحش ودود ، مكتوب على تلك القطرة بخطّ إلهيّ لا يدرك بالبصر الظاهر : «إنّه رزق الدود الفلاني ، الذي هو في ناحية الجبل الفلاني ، يصل إليه عند عطشه في الوقت الفلاني».
ـ هذا ـ مع ما في انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف ، وفي تناثر الثلوج كالقطن المندوف ، ومن العجائب التي لا تحصى ؛ كلّ ذلك
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)