هندسيّا ـ حتّى إذا أحكم معاقد القمط ورتّب الخيوط كاللحمة فيشتغل بالتسدية (١) ، فيلتصق السدي إلى اللحمة ، ويحكم العقد على موضع التقاء السدي باللحمة ، ويرعى في جميع ذلك تناسب الهندسة ، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب ، ويقعد في زاوية مترصّدا لوقوع الصيد في الشبكة ؛ فإذا وقع فيها بادر إلى أخذه وأكله ، فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ، ووصل بين طرفي الزاوية بخيطه ، ثمّ علّق نفسه منها بخيط آخر ، وبقي منكّسا في الهواء ينتظر ذبابة تطير ، فاذا طارت ذبابة رمى بنفسه إليها ، فأخذها وأحكم خيطه على رجلها وأحكمها ثمّ أكلها.
وما من حيوان ـ صغير ولا كبير ـ إلّا وفيه من هذه العجائب ما لا يحصى ؛ أفترى أنّ شيئا منها تعلّم مثل هذه الصنائع من نفسه ، أو تكوّن بنفسه ، أو كوّنه آدميّ ، أو علّمه ، أو لا هادي له ولا معلّم ، (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) [٥٢ / ٣٥].
أيشكّ ذو بصيرة في أنّه مسكين عاجز ضعيف ؛ بل الفيل العظيم شخصه ، الظاهر قوّته ، عاجز عن أمر نفسه ؛ فكيف بهذا الحيوان الضعيف.! أفلا يشهد هو ـ بنفسه وشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته ـ لفاطره الحكيم ، وخالقه القادر العليم.
فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبّر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ، ما تتحيّر فيه الألباب والعقول فضلا
__________________
(١) ـ القمط في الأصل حبل من ليف أو خوص تشد به الأخصاص. اللحمة في النسيج ما يمدّ عرضا ، وهو خلاف السدي وهو ما يمدّ طولا. يقال لهما في الفارسية : تاروپود.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)