فصل (١) [٣]
[مراحل خلق الإنسان]
ثمّ انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته ، فإنّه لمّا ضاق الرحم عن الصبيّ ـ لمّا كبر ـ كيف هداه السبيل حتّى تنكّس وتحرّك ، وخرج من ذلك المضيق ، وطلب المنفذ كأنّه عاقل بصير بما يحتاج إليه.
ثمّ لمّا خرج واحتاج إلى الغذاء ، كيف هداه إلى التقام الثدي.
ثمّ لمّا كان بدنه سخيفا ـ لا يحتمل الأغذية الكثيفة ـ كيف دبّر له في خلق اللبن اللطيف ، واستخرجه من بين الفرث والدم خالصا صائغا ، وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن ، وأنبت منهما الحلمة على قدر ما ينطبق عليه فم الصبيّ ، ثمّ فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيّقة جدّا ، حتّى لا يخرج اللبن إلّا بعد المصّ تدريجا ـ فإنّ الطفل لا يطيق منه إلّا القليل ـ ثمّ كيف هداه إلى الامتصاص حتّى يستخرج من المضيق اللبن الكثير عند شدّة الجوع به.
ثمّ انظر إلى عطفه ورأفته كيف أخّر خلق الأسنان إلى تمام الحولين ، لأنّه في الحولين لا يتغذّى إلّا باللبن ، فيستغنى عن السنّ ، وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ، ويحتاج إلى طعام غليظ ، ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن ؛ فأنبت له الأسنان عند الحاجة ، لا قبلها ولا بعدها.
فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة من اللثات الليّنة ، ثمّ
__________________
(١) ـ إحياء علوم الدين : الفصل السابق : ٤ / ٦٣٧ ـ ٦٣٨.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)