حنّن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه ؛
ثمّ انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتّى بلغ وتكامل ، فصار مراهقا ، ثمّ شابّا ، ثمّ كهلا ، ثمّ شيخا ـ إمّا كفورا أو شكورا ، مطيعا أو عاصيا ، مؤمنا أو كافرا ـ تصديقا لقوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [٧٦ / ١ ـ ٣].
فانظر إلى اللطف والكرم ثمّ إلى القدرة والحكمة ، تبهرك عجائب الحضرة الربوبيّة ؛ والعجب ـ كلّ العجب ـ لمن (١) يرى خطّا عجبا ، أو نقشا حسنا على حائط ، فيستحسنه ، فيصرف جميع همّه إلى التفكّر في الخطّاط والنقّاش وأنّه كيف خطّه ونقّشه ، وكيف اقتدر عليه ؛ ولا يزال يستعظمه ويقول : «ما أحذقه ، وما أجمل صنعته وأحسن قدرته» ، ثمّ ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ويغفل عن صانعه ومصوّره ، فلا تدهشه عظمته ولا يحيّره جلاله وحكمته.
فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها ، وهي أقرب مجال تفكّرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك ؛ ولو ذهبنا نصف ما في آحاد الأعضاء من العجائب والآيات لانقضت فيه الأعمار ؛ وما فيما لا تدركه الحواسّ ـ من الروح والمعاني والصفات الإنسانيّة ـ أكثر وأعظم ؛ وسنشير إلى بعضها فيما بعد إن شاء الله.
__________________
(١) ـ المصدر : ممن.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)