فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) [٢٣ / ١٢ ـ ١٤].
فانظر إلى النطفة ـ وهي قطرة من الماء قذرة ، ولو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت ـ كيف أخرجها ربّها ـ ربّ الأرباب ـ من الصلب والترائب؟ وكيف جمع بين الذكر والانثى ، وألقى الإلف والمحبّة في قلبهما؟ وكيف قادهما بسلسلة المحبّة والشهوة إلى الاجتماع؟ وكيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع؟ وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الأرحام؟ ثمّ كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض (١) ، وغذّاه وربّاه؟ وكيف جعل النطفة ـ وهي بيضاء مشرقة ـ علقة حمراء؟ فشكّلها وأحسن تشكيلها وقدّرها فأحسن تقديرها ، وصوّرها فأحسن تصويرها؟! وقسّم أجزائها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام في أرجائها. وحسّن أشكال أعضائها ، وزيّن ظاهرها وباطنها ، ورتّب عروقها وجعلها مجرى لغذائها ، ليكون ذلك سببا لبقائها. وجعلها سميعا بصيرا عالما ناطقا.
فخلق لها الظهر أساسا لبدنها ، حاويا لآلات غذائها ؛ والرأس جامعا لحواسّها.
ففتح العين ورتّب طبقاتها ، وأحسن شكلها ولونها وهيئتها ، ثمّ
__________________
(١) ـ الغرض بيان العجائب الموجودة في تكوين الإنسان ، فلا يقدح فيه ذكر بعض المصطلحات الغير الصحيحة المعروفة قديما ، كتغذية الجنين بدم الحيض ؛ فمن الواضح الآن أنّ الجنين يشترك في التغذية مع أمّها ويتغذّى بغذائها من طريق جريان الدم الجارية الى عروقه منها. وفي ذلك من لطائف الحكم والعجائب ما لا يحصى.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)