الذي صدرت الامور عن مشيّته ، وتصاغرت عزّة المتجبّرين دون جلال عظمته ، وخضعت له الرقاب ، وعنت الوجوه من مخافته ، وظهرت في بدائع الذي أحدثها آثار حكمته ، وصار كلّ شيء خلق حجة له ومنتسبا إليه ؛ وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتدبير ناطقة فيه.
فقدّر ما خلق ، فأحكم تقديره ووضع كلّ شيء بلطف تدبيره موضعه ، ووجّهه بجهة (١) فلم يبلغ منه شيء حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيّته ، ولم يستصعب إذ أمره بالمضيّ إلى إرادته ـ بلا معاناة للغوب مسّه ، ولا مكابدة لمخالف له على أمره ـ فتمّ خلقه ، وأذعن لطاعته ، ووافى الوقت الذي أخرجه إليه إجابة ؛ لم يعترض دونها ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكّئ ؛
وأقام من الأشياء أودها وتهيء (٢) معالم حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّاتها ، ووصل أسباب قرائنها ، وخالف بين ألوانها ، وفرّقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهيئات.
بدايا (٣) خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد إذ ابتدعها ؛ انتظم علمه صنوف ذرئها ، وأدرك تدبيره حسن تقديرها.
أيّها السائل ـ اعلم أنّ من شبّه ربّنا الجليل بتباين أعضاء خلقه ، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته : إنّه لم يعقد غيب
__________________
(١) ـ يحتمل القراءة : بجهته.
(٢) ـ المصدر : نهّى.
(٣) ـ في هامش النسخة : بدايا : جمع بديء. وهو العجيب البديع. والبدايا خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هذه الأشياء التي وصفتها بدائع خلائق.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)