الذي عجزت الملائكة ـ على قربهم من كرسيّ كرامته ، وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزّه ، وقربهم من غيب ملكوته ـ أن يعلموا من أمره إلّا ما أعلمهم ؛ وهم ـ من ملكوت القدس ـ بحيث هم في معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا : (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [٢ / ٣٢].
فما ظنّك ـ أيّها السائل ـ بمن هو كذا؟ سبحانه وبحمده ؛ لم يحدث فيمكن فيه التغيّر والانتقال ، ولم يتصرّف في ذاته بكرور الأحوال ، ولم يختلف عليه حقب الليالي والأيّام.
الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من معبود كان قبله ؛ ولم تحط به الصفات ، فيكون بإدراكها إيّاه بالحدود متناهيا ، وما زال ـ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ـ عن صفة المخلوقين متعاليا ؛ وانحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا ، وبالذات التي لا يعلمها إلّا هو عند خلقه معروفا ؛ وفات ـ لعلوّه على أعلى الأشياء ـ مواقع وهم المتوهّمين ، وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهة (١) رويّات المتفكّرين.
فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها به ، وما زال ـ عند أهل المعرفة به ـ عن الأشباه والأضداد منزّها ؛ كذب العادلون بالله إذ شبّهوه بمثل أصنامهم ، وحلّوه حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزّءوه بتقدير منتج من خواطر هممهم ، وقدّروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم.
وكيف يكون من لا يقدّر قدره مقدّرا في رويّات الأوهام؟ وقد
__________________
(١) ـ الفهاهة : العيّ.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)