وقدم (١) عمير المدينة ، فنزل باب المسجد ، وعقل راحلته ، وأخذ السيف ، وعمد إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار ، ففزع ودخل إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله ، لا تأمنه على شيء. فقال : «أدخله عليّ» ، فخرج عمر فأمر أصحابه أن يدخلوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويحترسوا (٢) من عمير.
وأقبل عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومع عمير سيفه ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعمر : «تأخّر عنه». فلما دنا عمير قال : انعموا صباحا ـ وهي تحية الجاهلية ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قد أكرمنا الله عن تحيّتك ، وجعل تحيّتنا تحيّة أهل الجنّة وهو (٣) السّلام». فقال عمير : إن عهدك بها لحديث. فقال : «ما أقدمك يا عمير»؟ قال : قدمت على أسيري عندكم ، تفادونا في أسرانا ، فإنكم العشيرة والأهل. فقال : «ما بال السّيف في عنقك»؟ فقال : قبحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئا؟ إنما نسيته في عنقي حين نزلت. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «اصدقني ، ما أقدمك يا عمير»؟ قال : ما قدمت [إلا في طلب أسيري] (٤).
قال : «فما ذا شرطت لصفوان في الحجر»؟ ففزع عمير ، وقال : ما ذا شرطت له؟ قال : «تحمّلت له بقتلي على أن يعول أولادك (٥) ويقضي دينك ، والله حائل بينك وبين ذلك». فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، كنّا يا رسول الله نكذّبك بالوحي وبما يأتيك من (٦) السماء ، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر كما قلت ، لم يطلع عليه أحد ، فأخبرك الله به ، فالحمد لله الّذي ساقني هذا المساق.
ففرح به المسلمون ، وقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «اجلس يا عمير نواسك». وقال لأصحابه : «علّموا أخاكم القرآن». وأطلق له أسيره. فقال عمير : ائذن لي يا رسول الله ، فألحق بقريش ، فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ، لعل الله أن يهديهم. فأذن له فلحق بمكة. وجعل صفوان يقول لقريش : أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر. وجعل يسأل كلّ راكب قدم من المدينة : هل كان بها من حدث؟ حتى قدم عليهم رجل ، فقال لهم : قد أسلم عمير ، فلعنه المشركون ، وقال صفوان : لله عليّ ألّا أكلمه أبدا ، ولا أنفعه (٧) بشيء.
ثم قدم عمير ، فدعاهم إلى الإسلام ونصحهم بجهده ، فأسلم بسببه بشر كثير.
وهكذا ذكره أبو الأسود عن عروة مرسلا ، وأورده ابن إسحاق في المغازي عن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلا أيضا.
__________________
(١) في د : فقدم.
(٢) في د : يحرسوه.
(٣) في د : وهي.
(٤) في د : إلا لذلك.
(٥) في د : عيالك.
(٦) في د : خبر.
(٧) في د : ولا أنفق عليه.
![الإصابة في تمييز الصحابة [ ج ٤ ] الإصابة في تمييز الصحابة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3401_alasabah-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
