بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ) يعني التّوراة (وَالْحُكْمَ) وهو الفهم في الكتاب ، (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) يعني المنّ والسّلوى (وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) أي : عالمي زمانهم. (وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ) فيه قولان : أحدهما : بيان الحلال والحرام ، قاله السّدّيّ. والثاني : العلم بمبعث النبيّ صلىاللهعليهوسلم وشواهد نبوّته ، ذكره الماورديّ. وما بعد هذا قد تقدّم بيانه (١) إلى قوله : (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) (٢) سبب نزولها أنّ رؤساء قريش دعوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى ملّة آبائه ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. فأمّا قوله : (عَلى شَرِيعَةٍ) فقال ابن قتيبة : أي على ملّة ومذهب ، ومنه يقال : شرع فلان في كذا : إذا أخذ فيه ، ومنه «مشارع الماء» وهي الفرض التي شرع فيها الوارد. قال المفسّرون : ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر ، أي : من الدّين (فَاتَّبِعْها). و (الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) كفّار قريش. (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ) أي : لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتّبعتهم ، (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) يعني المشركين. (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) الشّرك. والآية التي بعدها مفسّرة في آخر الأعراف (٣). (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ) سبب نزولها أنّ كفّار مكّة قالوا للمؤمنين : إنّا نعطى في الآخرة مثلما تعطون من الأجر ، قاله مقاتل (٤). والاستفهام هاهنا استفهام إنكار. و«اجترحوا» بمعنى اكتسبوا. (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) قرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم ، وزيد عن يعقوب : «سواء» نصبا ؛ وقرأ الباقون : بالرفع. فمن رفع ، فعلى الابتداء ؛ ومن نصب ، جعله مفعولا ثانيا ، على تقدير : أن نجعل محياهم ومماتهم سواء ؛ والمعنى : إنّ هؤلاء يحيون مؤمنين ويموتون مؤمنين ، وهؤلاء يحيون كافرين ويموتون كافرين ؛ وشتّان ما هم في الحال والمآل (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أي : بئس ما يقضون. ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السموات والأرض بالحقّ ، أي : للحقّ والجزاء بالعدل ، لئلّا يظنّ الكافر أنه لا يجزى بكفره.
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١))
__________________
(١) آل عمران : ١٩.
(٢) قال ابن العربي رحمهالله في «أحكام القرآن» ٤ / ١٢٣ : ظن بعض من تكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ، ولا ننكر أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم وأمته منفردان بشريعة ، وإنما الخلاف فيما أخبر النبيّ صلىاللهعليهوسلم من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء والعظة هل يلزم اتباعه أم لا؟ ولا إشكال في لزوم ذلك ، ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح ، وإنما خالف بينها في الفروع بحسب ما علمه سبحانه.
(٣) الأعراف : ٢٠٣.
(٤) عزاه المصنف لمقاتل ، وهو ساقط الرواية ، لا حجة فيه البتة.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
