القوّة. والسّافلون : هم الضعفاء ، والزّمنى ، والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا ، قال الفرّاء : وإنما قال : «سافلين» على الجمع ، لأنّ الإنسان في معنى جمع. تقول : هذا أفضل قائم ، ولا تقول : قائمين ، لأنك تريد واحدا ، فإذا لم ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع. والثاني : إلى النّار ، قاله الحسن ، وأبو العالية ، ومجاهد. والمعنى : إنّا نفعل هذا بكثير من الناس. تقول العرب : أنفق فلان ماله على فلان ، وإنما أنفق بعضه ، ومثله قوله عزوجل : (الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) (١) لم يرد كلّ ماله. ثم استثنى من الإنسان فقال عزوجل : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) لأنّ معنى الإنسان الكثير. وللمفسّرين في معنى الاستثناء قولان : أحدهما : إلّا الذين آمنوا ، فإنهم لا يردّون إلى الخرف ، وأرذل العمر وإن عمّروا طويلا ، وهذا على القول الأول. قال ابن عباس : من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر. وقال إبراهيم النّخعي : إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل ، وهو قوله عزوجل : (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) وقال ابن قتيبة : المعنى : إلّا الذين آمنوا في وقت القوّة والقدرة ، فإنهم في حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات ، لأنّ الله عزوجل يعلم أنه لو لم يسلبهم القوّة لم ينقطعوا عن أفعال الخير ، فهو يجري لهم أجر ذلك. والثاني : إلّا الذين آمنوا ، فإنهم لا يردّون إلى النّار. وهذا على القول الثاني. وقد شرحنا معنى «الممنون» في «ن» (٢).
قوله عزوجل : (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) فيه قولان : أحدهما : فما يكذّبك أيّها الإنسان بعد هذه الحجّة «بالدّين» أي : ما الذي يجعلك مكذّبا بالجزاء؟! ، وهذا توبيخ للكافر ، وهو معنى قول مقاتل. وزعم أنها نزلت في عديّ بن ربيعة. والثاني : فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خلقنا الإنسان على ما وصفنا ، قاله الفرّاء. فأمّا «الدّين» فهو الجزاء. والمشار إليه بذكره إلى البعث ، كأنه استدلّ بتقلّب الأحوال على البعث.
قوله عزوجل : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) أي : بأقضى القاضين. قال مقاتل : يحكم بينك وبين مكذّبيك. وذكر بعض المفسّرين : أنّ معنى هذه الآية تسليته في تركهم والإعراض عنهم. ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف.
__________________
(١) الليل : ١٨.
(٢) ن : ٣.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
