وأبو الدّرداء ، وأبو حيوة «وطور سيناء» مثلهم إلّا أنهم كسروا السين. وقرأ أبو رجاء ، والجحدريّ «سينين» كما في القرآن ، لكنّهما فتحا السين. وقال ابن الأنباري : «سينين» هو سيناء.
واختلفوا في معناه ؛ فقيل : معناه : الحسن. وقيل : المبارك. وقيل : إنه اسم للشجر الذي حوله. وقد شرحنا هذا في سورة المؤمنون (١) قال الزّجّاج : وقد قرئ هاهنا «وطور سيناء» وهو أشبه لقوله عزوجل : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ). وقال مقاتل : كلّ جبل فيه شجر مثمر فهو سينين ، وسيناء بلغة النّبط.
قوله عزوجل : (وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) يعني : مكّة يأمن فيه الخائف في الجاهلية ، والإسلام (٢). قال الفرّاء : ومعنى «الأمين» الآمن. والعرب تقول للآمن : أمين.
قال الشاعر :
|
ألم تعلمي يا أسم ويحك أنّني |
|
حلفت يمينا لا أخون أميني |
يريد آمني.
قوله عزوجل : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) هذا جواب القسم. وفي المراد بالإنسان هاهنا خمسة أقوال (٣) : أحدها : أنه كلدة بن أسيد ، قاله ابن عباس. والثاني : الوليد بن المغيرة ، قاله عطاء. والثالث : أبو جهل بن هشام. والرابع : عتبة ، وشيبة ، حكاهما الماورديّ. والخامس : أنه اسم جنس ، وهذا مذهب كثير من المفسّرين ، وهو معنى قول مقاتل.
قوله عزوجل : (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) فيه أربعة أقوال (٤) : أحدها : في أعدل خلق. والثاني : منتصب القامة ، رويا عن ابن عباس. والثالث : في أحسن صورة ، قاله أبو العالية. والرابع : في شباب وقوة ، قاله عكرمة.
قوله : (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) فيه قولان (٥) : أحدهما : إلى أرذل العمر ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة ، وإبراهيم ، وقتادة. وقال الضّحّاك : إلى الهرم بعد الشباب ، والضّعف بعد
__________________
(١) المؤمنون : ٢٠.
(٢) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٦٢٨ : وقال بعض الأئمة : هذه محال ثلاثة ، بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار ، فالأولى محلة التين والزيتون ، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى عليهالسلام والثاني : طور سينين ، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليهالسلام والثالث : مكة : وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا ، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلىاللهعليهوسلم.
(٣) والقول الخامس هو الصواب : أنه اسم جنس ولم يكن المراد منه إنسان باسمه.
(٤) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» ١٢ / ٦٣٨ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن معنى ذلك. لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها ، لأن قوله : (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) إنما هو نعت لمحذوف ، وهو في تقويم أحسن تقويم ، فكأنه قيل : لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم.
(٥) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٦٢٨ : (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) أي : إلى أرذل العمر. روي هذا عن ابن عباس وعكرمة ، واختاره ابن جرير الطبري ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك ، لأن الهرم قد يصيب بعضهم إنما المراد (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) أي إلى النار ، كقوله (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ).
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
