قرأ عاصم ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر «لتركبنّ» بفتح التاء وضمّ الباء ، وهو خطاب لسائر الناس ومعناه : لتركبنّ حالا بعد حال. وقرأ ابن مسعود ، وأبو الجوزاء ، وأبو الأشهب «ليركبنّ» بالياء ، ونصب اللام. وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو عمران ، وابن يعمر «ليركبنّ» بالياء ، ورفع الباء. و«عن» بمعنى «بعد». وهذا قول عامّة المفسّرين واللغويين ، وأنشدوا للأقرع بن حابس :
|
إنّي امرؤ قد حلبت الدّهر أشطره |
|
وساقني طبق منه إلى طبق |
ثم في معنى الكلام خمسة أقوال (١) : أحدها : أنه الشدائد ، والأهوال ، ثم الموت ، ثم البعث ، ثم العرض ، قاله ابن عباس. والثاني : أنه الرّخاء بعد الشدّة ، والشدّة بعد الرّخاء ، والغنى بعد الفقر ، والفقر بعد الغنى ، والصحة بعد السّقم ، والسّقم بعد الصحة ، قاله الحسن. والثالث : أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما ثم شابا ثم شيخا ، قاله عكرمة. والرابع : أنه تغيّر حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا ، فيرتفع من كان وضيعا ، ويتّضع من كان مرتفعا ، وهذا مذهب سعيد بن جبير. والخامس : أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأوّلين ، قاله أبو عبيدة. وكان بعض الحكماء يقول : من كان اليوم على حالة ، وغدا على حالة أخرى ، فليعلم أنّ تدبيره إلى سواه.
قوله عزوجل : (فَما لَهُمْ) يعني : كفّار مكّة (لا يُؤْمِنُونَ) بمحمّد والقرآن ، وهو استفهام إنكار (وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) فيه قولان : أحدهما : لا يصلّون ، قاله عطاء ، وابن السّائب. والثاني : لا يخضعون له ، ويستكينون ، قاله ابن جرير ، واختاره القاضي أبو يعلى. قال : وقد احتجّ بها قوم على وجوب سجود التلاوة ، وليس فيها دلالة على ذلك ، وإنما المعنى : لا يخشعون ، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن ، والسّجود يختصّ بمواضع منه.
قوله عزوجل : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) بالقرآن ، والبعث ، والجزاء (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب. قال ابن قتيبة : «يوعون» : يجمعون في قلوبهم. وقال الزّجّاج : يقال : أوعيت المتاع في الوعاء ، ووعيت العلم.
قوله عزوجل : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي : أخبرهم بذلك. وقال الزّجّاج : اجعل للكفّار بدل البشارة للمؤمنين بالجنّة والرّحمة ، العذاب الأليم. و«الممنون» عند أهل اللغة : المقطوع.
__________________
(١) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» ١٢ / ٥١٦ : والصواب من التأويل قول من قال : لتركبن أنت يا محمد حالا بعد حال ، وأمرا بعد أمر من الشدائد ، والمراد بذلك ـ وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم موجها ـ جميع الناس ، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
