اليمين ، وهم المؤمنون ، فإنهم في الجنة ، قاله الضّحّاك. والثالث : كلّ نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلّا أصحاب اليمين ، فإنهم لا يحاسبون ، قاله ابن جريج.
قوله عزوجل : (يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ) قال مقاتل : إذا خرج أهل التوحيد من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار : (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) قال الفرّاء : وهذه الآية تقوّي أنهم الولدان لأنهم لم يعرفوا الذنوب فسألوا ما سلككم في سقر؟ قال المفسّرون : سلككم بمعنى : أدخلكم. وقال مقاتل : ما حبسكم فيها؟ (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) لله في دار الدنيا (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أي : لم نتصدّق لله (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) أهل الباطل والتكذيب (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي : بيوم الجزاء والحساب (حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) وهو الموت. يقول الله تعالى : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء والمؤمنين. وهذا يدلّ على أنّ نفع الشفاعة لمن آمن. قوله : (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)؟ يعني : كفّار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه. والمعنى : لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن ولم يؤمنوا به ، ثم شبّههم في نفورهم عنه بالحمر ، فقال عزوجل : (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) قرأ أبو جعفر ، ونافع ، وابن عامر ، والمفضّل عن عاصم بفتح الفاء. والباقون بكسرها. قال أبو عبيدة ، وابن قتيبة : من قرأ بفتح الفاء أراد : مذعورة ، استنفرت فنفرت ، ومن قرأ بكسر الفاء أراد : نافرة : قال الفرّاء : أهل الحجاز يقولون : حمر مستنفرة. وناس من العرب يكسرون الفاء. والفتح أكثر في كلام العرب. وقراءتنا بالكسر. أنشدني الكسائيّ :
|
احبس حمارك إنّه مستنفر |
|
في إثر أحمرة عمدن لغرّب |
«وغرّب» موضع.
وفي «القسورة» سبعة أقوال : أحدها : أنه الأسد ، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس : وبه قال أبو هريرة ، وزيد بن أسلم ، وابنه. قال ابن عباس : الحمر الوحشيّة إذا عاينت الأسد هربت منه ، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبيّ صلىاللهعليهوسلم هربوا منه ، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة ، والزّجّاج. قال ابن قتيبة : كأنّه من القسر والقهر. والأسد يقهر السّباع. والثاني : أنّ القسورة : الرّماة ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال أبو موسى الأشعري ، ومجاهد ، وقتادة ، والضّحّاك ، ومقاتل ، وابن كيسان. والثالث : أنّ القسورة : حبال الصّيادين ، رواه عكرمة عن ابن عباس. والرابع : أنهم عصب الرّجال ، رواه أبو حمزة عن ابن عباس. واسم أبي حمزة : نصر بن عمران الضّبعيّ. والخامس : أنه ركز الناس ، وهذا في رواية عطاء أيضا عن ابن عباس. وركز الناس : حسّهم وأصواتهم. والسادس : أنه الظّلمة والليل ، قاله عكرمة. والسابع : أنه النّبل ، قاله قتادة.
قوله عزوجل : (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم قالوا للنبيّ صلىاللهعليهوسلم : إن سرّك أن نتّبعك ، فليصبح عند رأس كلّ رجل منّا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان بن فلان يؤمر فيه باتّباعك ؛ قاله الجمهور (١). والثاني : أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذّبوا بها ، قاله أبو صالح. والثالث : أنهم قالوا : كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا أصبح في رقعة.
__________________
(١) عزاه المصنف للجمهور. وهو عند الطبري ٣٥٥١٩ عن قتادة. وعزاه السيوطي في «الدر» ٦ / ٤٦١ لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
