«النشور آمنتم» بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ : «أأمنتم» بهمزتين ، (مَنْ فِي السَّماءِ) قال ابن عباس : أمنتم عذاب من في السماء ، وهو الله عزوجل؟! و (تَمُورُ) بمعنى : تدور. قال مقاتل : والمعنى : تدور بكم إلى الأرض السّفلى.
قوله عزوجل : (أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) وهي : الحجارة ، كما أرسل على قوم لوط (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) أي : كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم العذاب (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني : كفّار الأمم (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي : إنكاري عليهم بالعذاب.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) أي : تصفّ أجنحتها في الهواء ، وتقبض أجنحتها بعد البسط ، وهذا معنى الطّيران ، وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط (ما يُمْسِكُهُنَ) أن يقعن (إِلَّا الرَّحْمنُ).
(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧))
قوله عزوجل : (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) هذا استفهام إنكار. ولفظ «الجند» موحّد ، فلذلك قال عزوجل : «هذا الذي هو» والمعنى : لا جند لكم (يَنْصُرُكُمْ) أي : يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم ، (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) وذلك أنّ الشيطان يغرّهم ، فيقول : إنّ العذاب لا ينزل بكم ، (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) المطر وغيره (إِنْ أَمْسَكَ) الله ذلك عنكم (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ) أي : تماد في كفر (وَنُفُورٍ) عن الإيمان.
ثم ضرب مثلا ، فقال عزوجل : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ) قال ابن قتيبة : أي لا يبصر يمينا ، ولا شمالا ؛ ولا من بين يديه. يقال : أكبّ الله فلانا على وجهه ، بالألف ، وكبّه الله لوجهه ، وأراد : الأعمى. قال المفسّرون : هذا مثل للمؤمن ، والكافر ، و«السّويّ» : المعتدل ، أي : الذي يبصر الطريق. وقال قتادة : هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبّا على وجهه ، والمؤمن يمشي سويّا.
قوله عزوجل : (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) فيه قولان : أحدهما : أنهم لا يشكرون ، قاله مقاتل : والثاني : أنهم يشكرون قليلا ، قاله أبو عبيدة.
قوله عزوجل : (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي : خلقكم (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) يعنون الوعد : بالعذاب (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) أي : رأوا العذاب قريبا منهم (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال الزّجّاج : أي : تبيّن فيها السّوء. وقال غيره : قبّحت بالسّواد (وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) فيه قولان : أحدهما : أن «تدّعون» بالتشديد ، بمعنى تدعون بالتخفيف ، وهو «تفتعلون» من الدعاء. يقال : دعوت ، وادّعيت ، كما يقال : خبرت واختبرت ، ومثله : يدّكرون ، ويذكرون ، هذا قول الفرّاء ، وابن قتيبة. والثاني : أنّ المعنى : هذا الذي كنتم من أجله تدّعون الأباطيل والأكاذيب ، تدّعون أنكم إذا متّم لا تبعثون؟! وهذا اختيار الزّجّاج.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
