صوّامة قوّامة. وقال الحسن : ما استقصى كريم قطّ ، ثم قرأ (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) ، وقرأ ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وابن السّميفع «عرّاف» برفع العين ، وتشديد الراء وبألف ، «بعضه» بالخفض.
قوله عزوجل : (فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ) أي : أخبر حفصة بإفشائها السّرّ (قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا) أي : من أخبرك بأني أفشيت سرّك؟ (قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) ثم خاطب عائشة وحفصة ، فقال : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ) أي : من التعاون على رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالإيذاء (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) قال ابن عباس : زاغت ، وأثمت. قال الزّجّاج : عدلت ، وزاغت عن الحقّ. قال مجاهد : كنّا نرى قوله عزوجل : (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) شيئا هيّنا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود : فقد زاغت قلوبكما. وإنما جعل القلبين جماعة لأنّ كلّ اثنين فما فوقهما جماعة. وقد أشرنا إلى هذا في قوله عزوجل : (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ) (١) وقوله تعالى : (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) (٢). قال المفسّرون : وذلك أنهما أحبّا ما كره رسول الله صلىاللهعليهوسلم من اجتناب جاريته ، (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) وقرأ ابن مسعود ، وأبو عبد الرّحمن ومجاهد ، والأعمش «تظاهرا» بتخفيف الظاء ، أي : تعاونا على النبيّ صلىاللهعليهوسلم بالإيذاء (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ) أي : وليّه في العون ، والنّصرة (وَجِبْرِيلُ) وليّه (وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) وفي المراد بصالح المؤمنين ستة أقوال : أحدها : أنهم أبو بكر وعمر ، قاله ابن مسعود ، وعكرمة ، والضّحّاك. والثاني : أبو بكر ، رواه مكحول عن أبي أمامة. والثالث : عمر بن الخطّاب قاله سعيد بن جبير ، ومجاهد. والرابع : خيار المؤمنين ، قاله الرّبيع بن أنس. والخامس : أنهم الأنبياء ، قاله قتادة ، والعلاء بن زياد العدويّ ، وسفيان. والسادس : أنه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، حكاه الماورديّ ، قاله الفرّاء : «وصالح المؤمنين» موحّد في مذهب جميع ، كما تقول : لا يأتيني إلا سائس الحرب ، فمن كان ذا سياسة للحرب ، فقد أمر بالمجيء ، ومثله قوله عزوجل : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) (٣) ، قوله : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) (٤) ، وقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (٥) في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجميع.
قوله عزوجل : (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) أي : ظهرا ، وهذا مما لفظه لفظ الواحد ، ومعناه الجمع ، ومثله ثم (يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) (٦) ، وقد شرحناه هناك. ثم خوّف نساءه ، فقال عزوجل : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ).
____________________________________
١٥٣ والطبراني في «الكبير». ١٢٦٤ من حديث ابن عباس في قوله عزوجل : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) قال : اطلعت حفصة على النبي صلىاللهعليهوسلم مع أم إبراهيم عليهالسلام فقال : «لا تخبري عائشة» ، وقال لها : «إن أباك وأباها سيملكان ، أو سيليان بعدي ، فلا تخبري عائشة» فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة ...» الحديث. وفي إسناده الكلبي ، وهو كذاب. وورد من حديث علي ، أخرجه ابن عدي ٣ / ٤٣٦ ، وكرره عن ابن عباس ومدارهما على سيف بن عمر ، وهو متروك متهم ، وبه أعله ابن عدي. والصواب أن النبي صلىاللهعليهوسلم لم يخبر على من سيخلفه ، وإنما هناك أمارات على أنه أبو بكر ، والله أعلم.
الخلاصة : هذا خبر باطل لا أصل له ، والصحيح في ذلك ما رواه الشيخان من وجوه في شربه عليهالسلام العسل عند زينب ، وكذا يليه في الصحة خبر مارية المتقدم برقم ٢٢٣٨.
وانظر «فتح القدير» ٢٥٥١ و«الجامع لأحكام القرآن» ٦٠٣٦ بتخريجي والله الموفق.
__________________
(١) النساء : ١١.
(٢) ص : ١١.
(٣) المائدة : ٣٨.
(٤) النساء : ١٦.
(٥) المعارج : ١٩.
(٦) غافر : ٦٧.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
