وقال : لأنهم فعلوا ذلك مرّة بعد مرّة. قال مجاهد : لمّا قيل لعبد الله بن أبيّ : تعال يستغفر لك رسول الله لوّى رأسه ، وقال : ماذا قلت؟ وقال مقاتل : عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار. وقال الفرّاء : حرّكوها استهزاء بالنبيّ وبدعائه.
قوله عزوجل : (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) أي : يعرضون عن الاستغفار. (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) أي : متكبّرون عن ذلك. ثم ذكر أنّ استغفاره لهم لا ينفعهم ، ب قوله عزوجل : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ) وقرأ أبو جعفر : «آستغفرت» بالمدّ.
قوله عزوجل : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) قد بيّنّا أنه قول ابن أبيّ. و (يَنْفَضُّوا) بمعنى : يتفرّقوا (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) قال المفسّرون : خزائن السموات : المطر ، وخزائن الأرض : النبات. والمعنى : أنه هو الرّزّاق لهؤلاء المهاجرين ، لا أولئك ، (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) أي : لا يعلمون أنّ الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا) أي من هذه الغزوة. وقد تقدّم ذكرها وهذا قول ابن أبيّ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ) يعني : نفسه ، وعنى ب (الْأَذَلَ) رسول الله صلىاللهعليهوسلم. وقرأ الحسن : «لنخرجنّ» بالنون مضمومة وكسر الراء «الأعزّ» بنصب الزاي والأذل منصوب على الحال بناء على جواز تعريف الحال. أو زيادة «أل» فيه أو بتقدير «مثل» المعنى : لنخرجنّه ذليلا على أيّ حال ذلّ. والكلّ نصبوا «الأذلّ» فردّ الله عزوجل عليه فقال : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) وهي : المنعة والقوّة (وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) بإعزاز الله ونصره إيّاهم (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) ذلك.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١))
قوله عزوجل : (لا تُلْهِكُمْ) أي : لا تشغلكم.
في المراد بذكر الله هاهنا أربعة أقوال : أحدها : طاعة الله في الجهاد ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : الصلاة المكتوبة ، قاله عطاء ، ومقاتل. والثالث : الفرائض من الصلاة ، وغيرها ، قاله الضّحّاك. والرابع : أنه على إطلاقه. قال الزّجّاج : حضّهم بهذا على إدامة الذّكر.
قوله عزوجل : (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ) في هذه النّفقة ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أنه زكاة الأموال ، قاله ابن عباس. والثاني : أنها النّفقة في الحقوق الواجبة بالمال ، كالزّكاة والحجّ ، ونحو ذلك ، وهذا
__________________
(١) قال ابن العربي رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٢٥٩ : أخذ ابن عباس بعموم الآية في الإنفاق الواجب خاصة دون النفل. وهو الصحيح. لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل. وأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما ، وأما القول في الحج على الفور ففيه إشكال ، لأنا إن قلنا : إن الحج على التراخي ففي المعصية في الموت قبل أدائه خلاف بين العلماء ، لا تخرّج الآية عليه.
ـ وإن قلنا : إن الحج على الفور فالآية على العموم صحيح ، لأن من وجب عليه الحج فلم يؤده لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
