زال عندنا منذ السّحر ، لا يكادون يقولون غيره ، فإذا حذفت منه الألف واللام لم يصرف. وقال الزّجّاج : إذا كان السّحر نكرة يراد به سحر من الأسحار ، انصرف ، فإذا أردت سحر يومك ، لم ينصرف. قوله تعالى : (كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) قال مقاتل : من وحّد الله تعالى لم يعذّب مع المشركين. قوله تعالى : (وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ) أي : طلبوا أن يسلّم إليهم أضيافه ، وهم الملائكة (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) وهو أنّ جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبها. وقد ذكرنا القصّة في سورة هود (١). وتمّ الكلام هاهنا ، ثم قال : (فَذُوقُوا) أي : فقلنا لقوم لوط لما جاءهم العذاب : ذوقوا (عَذابِي وَنُذُرِ) أي : ما أنذركم به لوط ، (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً) أي : أتاهم صباحا (عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) أي : نازل بهم. قال مقاتل : استقرّ بهم العذاب بكرة. قال الفرّاء : والعرب تجري «غدوة» و«بكرة» ولا تجريهما ، وأكثر الكلام في «غدوة» ترك الإجراء ، وأكثر في «بكرة» أن تجرى ، فمن لم يجرها جعلها معرفة ، لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة «أمس» و«غد» ، وأكثر ما تجري العرب «غدوة» إذا قرنت بعشيّة ، يقولون : إني لآتيهم غدوة وعشيّة ، وبعضهم يقول : «غدوة» فلا يجريها و«عشية» فيجريها ، ومنهم من لا يجري «عشيّة» لكثرة ما صحبت «غدوة». وقال الزّجّاج : الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين نوّنتا وصرفتا ، فإذا أردت بهما بكرة يومك وغداة يومك ، لم تصرفهما ، والبكرة هاهنا نكرة ، فالصّرف أجود ، لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في شهر كذا.
(وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦))
قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ) يعني القبط (النُّذُرُ) فيهم قولان : أحدهما : أنه جمع نذير ، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى. والثاني : أنّ النّذر بمعنى الإنذار ؛ وقد بيّناه آنفا ، (فَأَخَذْناهُمْ) بالعذاب (أَخْذَ عَزِيزٍ) أي : غالب في انتقامه (مُقْتَدِرٍ) قادر على هلاكهم. ثم خوّف أهل مكّة فقال : (أَكُفَّارُكُمْ) يا معشر العرب (خَيْرٌ) أي : أشدّ وأقوى (مِنْ أُولئِكُمْ) وهذا استفهام معناه الإنكار ؛ والمعنى : ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود ، وقد أهلكناهم (أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ) من العذاب أنه لا يصيبكم ما أصابهم (فِي الزُّبُرِ) أي : في الكتب المتقدّمة ، (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) المعنى : أيقولون : نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ وإنّما وحّد المنتصر للفظ الجميع ، فإنه على لفظ «واحد» وإن كان اسما للجماعة (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) وروى أبو حاتم بن يعقوب : «سنهزم» بالنّون ، «الجمع» بالنّصب ، «وتولّون» بالتاء ، ويعني بالجمع : جمع كفّار مكّة (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ولم يقل : الأدبار ، وكلاهما جائز ؛ قال الفرّاء : مثله أن يقول : إنّ فلانا لكثير الدّينار والدّرهم. وهذا مما أخبر الله به نبيّه من علم الغيب ، فكانت الهزيمة يوم بدر.
قوله تعالى : (وَالسَّاعَةُ أَدْهى) قال مقاتل : هي أفظع (وَأَمَرُّ) من القتل. قال الزّجّاج : ومعنى الدّاهية : الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه ؛ ومعنى «أمرّ» : أشدّ مرارة من القتل والأسر.
__________________
(١) هود : ٨١.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
